الفتاوى الشاذة.. ما بين حب الشهرة والتسرع

الخميس، 14 ديسمبر 2017 12:00 ص

أسباب صدورها من العالم

يمكن أن تصدر فتاوى شاذة من عالم مجتهد؛ لأن العالم المجتهد ليس معصومًا، لكنها لا تقلل من منزلته الشرعية، فابن حزم على سبيل المثال: صُنِّف من جهابذة العلماء، وآراؤه تملأ الكتب الفقهية، رغم شذوذ منهجه الذي تبناه وخالف فيه المتبع عند جميع المذاهب، فهو لا يعلل الأحكام، ويقول إن القياس مرفوض تمامًا، فنتج عن هذا المنهج الظاهري الذي يأخذ بالظاهر، ولا يعترف بأن للشريعة مقاصد أو حِكَمًا، أو عِلَلا إطلاقًا، ويقول إن الشريعة يمكن أن تجمع بين مفترقين، أو تفرق بين متساويين، وضرب لذلك أمثلة وردَّ عليه ابن القيم في كل ما ضربه من أمثلة، في كتابه "إعلام الموقعين"( ).
 
لكن الذي يهمنا في هذا المقام الأسباب التي تجعل العالِم يزلُّ عن جادة الصواب، فيُصدر فتوى تخالف الشرع، فيعتمدها العامة لمكانة الفقيه عندهم، وهنا يكون خطرها أكبر؛ لأنها تصدر من عالِم ذي مصداقية، وفي ذلك يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يهدِمُ الإسلامَ زلةُ العالِم، وجدالُ المنافقِ بالكتاب، وحُكْم الأئمة المُضِلِّين"( ).

ومن الأسباب

عدم معرفة المفتي في بعض الأحيان بألفاظ وكلمات المستفتي لاختلاف اللهجة والأعراف والعادات بينهما"( ).
 
ومثل هذه المواقف شائعة جدًّا في وقتنا مع وجود الفضائيات، حيث يختلف المفتي مع المستفتي من حيث البلد واللهجة والعرف، فيؤدي ذلك إلى عدم تصور المفتي للمسألة المسئول عنها، فتأتي إجابته على غير الحقيقة فيخطئ في جوابه، وقد نبَّه غير واحد من أهل العلم على ذلك، فهذا الإمام النووي رحمه الله يقول: "لا يجوز أن يفتي في الأيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ، أو متنزلًا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها"( ).
 
عدم وقوف المفتي على حقيقة واقع بلد المستفتي وما يحدث فيها
 
فالمفتي قد يتسرع بالإجابة على سؤال المستفتي دون الوقوف على واقع الحال في بلاد المستفتي ونوازله، والظروف المحيطة به، فيجيبه فيقع في المحظور حين يخفف حيث يجب التشديد أو العكس، مسقطًا الفتوى على الواقع والظروف التي يعيش فيها المفتي لا المستفتي، وفي ذلك يقول الدكتور أبو زهرة رحمه الله: "الفتوى الصحيحة تتطلب عدا توافر شروط الاجتهاد في المجتهد شروطًا أخرى، وهي معرفة واقعة الاستفتاء، ودراسة نفسية المستفتي، والجماعة التي يعيش فيها، وظروف البيئة أو البلد التي حدثت فيها النازلة أو الواقعة أو العمل؛ ليعرف مدى أثر الفتوى سلبًا أو إيجابًا"( ).
 

 الضغوط السياسية والاجتماعية وضغوط أعداء الإسلام

قد يتعرض الفقيه لمجموعة من الضغوط التي تُلبِّس عليه المسائل الفقهية، وتُشتِّت تركيزَه فيقع في المحظور ويشذ بفتواه عن جادة الصواب، وهي:
 
 إما أن تكون داخلية صادرة من أرباب النفوذ والسلطان يستغلون الفقيه لتحقيق مآربهم السياسية وتمرير قوانينهم بإعطائها الشرعية الدينية.
 
وقد تكون خارجية وهي كثيرة كثرة الأعداء الذين لا يسأمون من كيل الاتهامات للإسلام في مختلف المجالات، وفي كل المحافل ضاربين به وبأهله المثل في التخلف والإرهاب واضطهاد المرأة وتجميد العقول وفي كل ما هو مخالف للفطرة، فنجد بعض المفتين يقومون بِلَيِّ أعناق النصوص وتأويلها تأويلا غير مقبول، إما من باب الضعف الشخصي أمام الآخر، وإما من باب حسن النية والرغبة في الانتصار للإسلام( ).
 
 
غفلة العالم
 
من الأخطاء التي قد يقع فيها علماء أجلاء، لهم شأن عظيم في العلم، ألَّا يستحضروا خطورة وسائل الإعلام خاصة إذا كان لأربابها نوايا مشبوهة قد تخفَى على العالِم، فنجده يفتي السائل في مسائل خاصة به فتنزل منزلة العموم؛ لِسَعَة انتشار الوسيلة الإعلامية فَتُفهم الفتوى خطأً على غير الوجه المراد، وكثيرًا ما يكابر المفتي فيُصرُّ على صواب فتواه ويرفض التوضيح والبيان، وأنه قد أخطأ في عرضه للفتوى بصيغة العموم( ).
 
 
التسرع في الفتيا
 
ربما يحمل المفتي على التسرع في الفتيا، توهُّمه أن الإسراع براعة، والتروي عجز، ولأن يتروى ويبطئ ولا يخطئ أجمل به من أن يتعجل، فيضل ويخل،( ) وقد كان الحسن البصري يقول: "إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لجمع لها أهل بدر"( ) وكان ابن مسعود رضي الله عنه يُسأَل عن المسألة فيتفكر فيها شهرًا، ثم يقول: "اللهم إن كان صوابًا فمن عندِكَ، وإن كان خطأً فمن ابن مسعود"( ).
 
 
عدم اعتبار المآلات والنتائج المترتبة على الفتوى
 
وفي إغفال اعتبار هذا الأصل خطر عظيم على الأمة الإسلامية والأمم المجاورة لها، وأمثلة ذلك لا تخفى على أحد، أخطرها التطرف والانغلاق الذي مسَّ شريحةً واسعة من شباب الأمة، فتحوَّل من مقوِّم بناء إلى وسيلة هدم، من ذلك أعمال العنف والتفجيرات التي هزت البلاد الإسلامية بدعوى الجهاد، وهزت الدول غير الإسلامية بدعوى المعاملة بالمثل.
 
 

أسباب صدورها من المتعالم

والمتعالم ديدنه التكلم في المسائل التي يتورع عنها كبار العلماء، ومن الطرائف أن السلف اعتبروا وقتهم وقت ظهور المتعالمين، وأفجعهم ذلك، فها هو ربيعة الرأي يقول: "استُفتِيَ مَن لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، ولَبعضُ من يُفتي ههنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق"( )، ولو أن شيخنا رأى ما طرأ على الإسلام من بِدَع لوقع في حب زمانه.
 

ومن الأسباب التي تُزيِّن للمتعالم الفتوى بغير علم ما يلي

قلة التدين
 
وهي بلوى ابتُلي بها كثير من أشباه العلماء، ومعهم قِلَّة من العلماء، فقلَّت تقواهم لله عز وجل، واجترؤوا على مخالفته، فحوَّروا النصوص، مضيعين العبادات ومغلِّبين العادات المخالفة للشرع بدعوى أن الدين يسر، وأنه صالح لكل زمان ومكان، كما لم يتورعوا في تبَنِّي الآراء الشاذة والأقوال الضعيفة، التي وجدت لها مريديها من العامة الذين زيَّنت لهم أنفسهم زخرفها، فتقبلوها ودافعوا عنها بدعوى أنها صادرة من علماء اجتهدوا في فهم الواقع المعاصر وحاجات المسلم فيه، كالربا والمجون( ) والاختلاط وغير ذلك ( ) وفي هذا النوع من اللامبالاة والتساهل في دين الله يقول الإمام النووي: "يحرم التساهل في الفتوى، ومن عُرِف به حَرُم استفتاؤه"( ).
 
 
حب الشهرة والظهور
 
حيث صار مَن لا فقه له، ولا علم يرفعه بين الناس ويجعله من الخاصة، يختصر الطريق إلى القمة بسياسة خالف تعرف، فيشذ في فتاويه بحيث يثيرُ فضولَ العامة فيتتبَّعون أقواله، وغضبَ الخاصة فيردون عليه، فتشهد الساحة موجة من الفتاوى والفتاوى المضادة، ويحقق المتعالم مراده من خلال الظهور على الفضائيات، وعلى المواقع الإلكترونية مثل "يوتيوب" و"إنستجرام" و"فيسبوك" و"توتير".
 
 
 الجهل بالضوابط الشرعية للفتوى، واعتماد التأويل والتحريف
 
الأصل فيمن يتصدر للفتوى أن يكون أهلًا لها بأن تتوفر فيه الشروط التي لا يكاد كتاب فقهي يخلو منها، لكن الملاحَظ على الواقع أن بعض تجار الفتوى برعوا في التأويل والتحريف بقدر ما فشلوا بالتقيُّد بالقيود الشرعية للمفتي، وفهموا النصوص على غير وجهها، إما اتباعًا لشهوة، أو إرضاءً لنزوة، أو حبًّا لدنيا، أو تقليدًا أعمى للآخرين، أو خوفًا من أصحاب السلطة.
 
 
اتباع الهوى
 
من المزالق الخطرة على المفتي أن يتبع الهوى وبخاصة أهواء الرؤساء وأصحاب السلطة، الذين تُرجَى هداياهم، ويهاب جانبهم، فيسايرهم أشباه العلماء مسارعين إلى تزييف الحقائق وتحريف الكلم عن مواضعه، في حين يتعين على المفتي إقامة المستفتي على الجادة القويمة فلا يميل به جهة تشدد غال، ولا يجنح به جهة ترخص جافٍ( ).
 
 

 أسباب أخرى

وسائل الإعلام
 
لعل أخطر الأسباب التي ساعدت في استفحال هذه الظاهرة هي وسائل الإعلام بشتى أنواعها المرئية والسمعية والإلكترونية، وقنوات الإثارة الإعلامية، ولا ينكر أحد الدور الإيجابي للقنوات الملتزمة الشاعرة بعِظَم الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقها الإسلام والمسلمين، لكن كثيرًا وربما دون قصد يُسأل العالم على الهواء عن مسألة خاصة لا تتعدى بحيثياتها دائرة المستفتي، ثم يجيب إجابة عامة، ما يسبب فوضى شرعية قد لا يتفطن لها العالِم ولا القائمون على هذه القنوات.
 

اضافة تعليق