الأديب الثائر "عباس العقاد".. العصامي الذي لم يستسلم أمام صعاب الحياة

الأربعاء، 13 ديسمبر 2017 12:00 ص

نشأة العقاد ودراسته
 [image id=9115] 

نشأ عباس العقاد بأُسوان في عام 1889، لأسرة متوسطة الحال، أم من أصول كردية، وكان جده يعمل في صناعة الحرير بالمحلة الكبرى فسمي عقاداً، وكان بعدئذٍ صرافاً لبلدة «أسنا» لكن والده جاء أسوان أميناً للمخطوطات، فتزوج ابنة عمر آغا الكردي أحد قادة محمد علي باشا الذين أرسلهم لتأديب ملك «شندي» على عصيانه.
 
نشأ الطفل عباس وعقله أكبر من سنه، فعندما لمس حنان أبويه وعطفهما عليه قدّر لهما هذا الشعور وظل طوال عمره يكنّ لهما أعمق الحبّ, وتعلم مبادئ القراءة والكتابة فراح يتصفح ما يقع تحت يديه من الصحف والمجلات ويستفيد منها. 
 
كان لديه الدافع للقراءة والإطلاع، فبادر والده بتعليمه مبادئ القراءة والكتابة، وهرع "العقاد" يتصفح الصحف والكتب قبل التحاقه بمدرسته الإبتدائية، ورغم أنه لم يكمل دراسته بعد تلك المرحلة، لعدم توافر المدارس الحديثة في محافظة أسوان، إلا أنه تعلم الإنجليزية؛ فأجادها ومارسها وساعدته طبيعة البلدة متنوعة الثقافات مابين سياح المدينة وأهلها، ما شجعه على القراءة في الأدب الإنجليزي والإطلاع عليه بكل سهولة.
 
اشتغل العقاد بوظائف حكومية كثيرة في المديريات ومصلحة التلغراف ومصلحة السكة الحديد وديوان الأوقاف، لكنه استقال منها واحدة بعد واحدة.
 
ولما كتب العقاد مقاله الشهير "الاستخدام رق القرن العشرين" سنة 1907، كان على أهبة الاستعفاء من وظائف الحكومة والاشتغال بالصحافة في القاهرة مستعينًا بثقافته وسعة إطلاعه، فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور.
 
وكان إصدار هذه الصحيفة فرصة لكي يتعرف العقاد بسعد زغلول ويؤمن بمبادئه، توقفت الصحيفة عن الصدور بعد فترة. وهو ماجعل العقاد يبحث عن عمل يقتات منه. فاضطر إلى إعطاء بعض الدروس ليحصل قوت يومه، وشارك في تحرير مجلة "البيان" ثم مجلة "عكاظ"، وصولًا للتفرغ للأعمال الأدبية والكتابية.
 

أعماله الأدبية 
 [image id=9114] 

قال لمرات عديدة "القراءة تعطي أكثر من روح"؛ أيمانًا بالقراءة وأهميتها، وعاش "العقاد" من أجل قضية واحدة وهي الدعوة للقراءة في شتى المجالات فالقراءة مفتاح العقول.
 
تنوعت أعماله مابين الدواوين الشعرية، الكتابات النثرية، والأعمال الأدبية والمتضمنة لسلسلة أعلام الإسلام؛ كالعبقريات، كما اتجه إلى الفلسفة والدين؛ فكتب "الله"، و"الفلسفة القرآنية"، و"إبليس".
 
كان العقاد عضو سابق في مجلس النواب المصري. وعضو في مجمع اللغة العربية. لم يتوقف إنتاجه الأدبي رغم ما مر به من ظروف قاسية؛ حيث كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة فصول.
 
 كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. ويعد العقاد أحد أهم كتاب القرن العشرين في مصر، وقد ساهم بشكل كبير في الحياة الأدبية والسياسية. وأضاف للمكتبة العربية أكثر من مئة كتاب في مختلف المجالات.
 
اشتهر بمعاركه الأدبية والفكرية مع الشاعر أحمد شوقي والدكتور طه حسين والدكتور زكي مبارك والأديب مصطفى صادق الرافعي والدكتور العراقي مصطفى جواد والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ).
 
واختلف مع زميل مدرسته الشعرية الشاعر عبد الرحمن شكري وأصدر كتابا من تأليفه مع المازني بعنوان الديوان هاجم فيه أمير الشعراء أحمد شوقي. وأرسى فيه قواعد مدرسته الخاصة بالشعر.

العمل بالسياسة

بعد أن عمل بالصحافة، صار من كبار المدافعين عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، فدخل في معارك حامية مع القصر الملكي، مما أدى إلى ذيع صيته واُنْتخب عضوًا بمجلس النواب، سجُن بعد ذلك لمدة تسعة أشهر عام 1930 بتهمة العيب في الذات الملكية؛ فحينما أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، ارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلًا: «إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه». وفي موقف آخر أشد وطأةً من الأول.
 
وقف الأديب الكبير موقفًا معاديًا للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، حتى إن أبواق الدعاية النازية وضعت اسمه بين المطلوبين للعقاب، وما إن اقترب جنود إرفين روميل من أرض مصر حتى تخوف العقاد من عقاب الزعيم النازي أدولف هتلر، وهرب سريعًا إلى السودان عام 1943 ولم يعد إلا بعد انتهاء الحرب بخسارة دول المحور.
 

فكر العقاد
 [image id=9113] 

كان يقرأ في التاريخ الإنساني والفلسفة والأدب  والنقد وعلم النفس وعلم الاجتماع، حيث قرأ 70ما يقرب من ألف كتاب، ثم زاد على ذلك الفلسفه والدين. 
 
دافع في كتبه عن الإسلام وعن الإيمان فلسفيًا وعلميًا ككتاب الله وكتاب حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، ودافع عن الحرية ضد الشيوعية والوجودية والفوضوية (مذهب سياسي).
 
كتب عن المرأة كتابا عميقا فلسفيا اسمه هذه الشجرة، يعرض فيه المرأة من حيث الغريزة والطبيعة وعرض فيه نظريته في الجمال.
 
يقول العقاد ان الجمال هو الحرية، فالإنسان عندما ينظر إلى شيء قبيح تنقبض نفسه وينكبح خاطره ولكنه اذا رأى شيئا جميلا تنشرح نفسه ويطرد خاطره، إذن فالجمال هو الحرية، والصوت الجميل هو الذي يخرج بسلاسه من الحنجره ولا ينحاش فيها، والماء يكون آسنا لكنه اذا جرى وتحرك يصبح صافيا عذبا.
 
والجسم الجميل هو الجسم الذي يتحرك حرا فلا تشعر ان عضوا منه قد نما على الآخر، وكأن أعضاءه قائمة بذاتها في هذا الجسد.
 

شعر العقاد

أول ديوان فقد حمل عنوان "يقظة الصباح" ونشر سنة 1916 وعمر العقاد حينها 27 سنة، وقد كتب العقاد في حياته عشرة دواوين. وقد ذكر العقاد في مقدمته لكتابه "ديوان من دواوين" أسماء تسعة دواوين له مرتبة وهي : يقظة صباح ، وهج الظهيرة ، أشباح الأصيل ، أشجان الليل ، وحي الأربعين ، هدية الكروان ، عابر سبيل ، أعاصير مغرب ، بعد الأعاصير. ثم كتب آخر دواوينه وهو "ما بعد البعد".
 
وقد صدر في العام 2014 كتاب بعنوان "المجهول والمنسي من شعر العقاد" من إعداد واحد من تلاميذ العقاد وهو الباحث محمد محمود حمدان. وقد جمع في هذا الكتاب القصائد والأشعار غير المنشورة للعقاد.
 
في عام 1934 نظم العقاد نشيد العلم. وقد غني نشيده هذا واذيع في الراديو في حينها. وكان قد لحنه الملحن عبدالحميد توفيق زكي.
 
من أشهر أعمال العقاد سلسلة العبقريات الاسلامية التي تناولت بالتفصيل سير أعلام الإسلام، مثل: عبقرية محمد، عبقرية عمر، عبقرية خالد، عبقرية الإمام، عبقرية الصديق، وغيرها.
 
ولم يكتب إلا رواية واحدة هي "سارة"، ومن أهم مؤلفاته أيضا: الفلسفة القرآنية، والله، وإبليس، الانسان في القران الكريم ومراجعات في الأدب والفنون.
 

تكريم العقاد

في أبريل من عام 1934 أقيم حفل تكريم للعقاد في مسرح حديقة الأزبكية حضره العديد من الأدباء ومجموعة من الأعلام والوزراء.
 
وألقى الدكتور طه حسين في هذا الحفل كلمة مدح فيها شعر العقاد فقال: « تسألونني لماذا أومن بالعقاد في الشعر الحديث وأومن به وحده، وجوابي يسير جدا، لأنني أجد عند العقاد مالا أجده عند غيره من الشعراء... لأني حين أسمع شعر العقاد أو حين أخلوا إلى شعر العقاد فإنما أسمع نفسي وأخلو إلى نفسي. وحين اسمع شعر العقاد إنما اسمع الحياة المصرية الحديثة وأتبين المستقبل الرائع للأدب العربي الحديث ».
 
ثم أشاد طه حسين بقصائد العقاد ولا سيما قصيدة ترجمة شيطان التي يقول إنه لم يقرأ مثلها لشاعر في أوروبا القديمة وأوروبا الحديثة، ثم قال طه حسين في نهاية خطابه: « ضعوا لواء الشعر في يد العقاد وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء فقد رفعه لكم صاحبه ».
 

تقدير العقاد
 [image id=9114] 

تُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف "الله" إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية.
 
 كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية. وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسم العقاد على إحدى قاعات محاضراتها.
 
وسمي باسمه أحد أشهر شوارع القاهرة وهو شارع عباس العقاد الذي يقع في مدينة نصر، وقد تحدثت عنه مني عبد الشافي دكتورة في جامعة الأزهر- قائلة أن العقاد من أهم الكتاب في الوطن العربي وليس في مصر فقط وأن يكون هناك شارع علي اسمه هو أقل شئ يمكن أن تفعله الدولة تقديرا له, فيما جاءت معظم الإجابات علي ألسنة أصحابها هو كاتب كبير.
 
كما أنتج مسلسل بعنوان العملاق يحكي قصة حياة العقاد وكان من بطولة محمود مرسي
 
منحه الرئيس المصري جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب غير أنه رفض تسلمها، كما رفض الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة.
 

لماذا سمي العقاد بهذا الإسم؟

اقتباس من مقابلة مع حفيد العقاد
 
إن لقب العقاد ليس له أسطورة بين أساطير أصول الألقاب، غير أنه كان يتردد بين العقاد والصراف فترة قصيرة من الوقت؛ لأن جدي «إبراهيم» كان أمينًا للخزانة ببلدة إسنا يوم كانت لها مديرية مستقلة عن قنا وأسوان، وقبل أن ينتقل إلى أسوان مركز المحافظة التي سميت يومئذٍ بمحافظة الحدود وتولي والدي أمانة المحفوظات فيها. ولكن لقب الصراف لم يكن يعرف أو يتداول في غير الديوان بين زملاء جدي الذين كانوا ينادونه بلقب الوظيفة ويغلبونه في دائرة العمل على لقب العقاد.
 
أما هذا اللقب فقد أطلق لأول مرة على جدي الأول أو جد جدي مصطفى، الذي كان يعمل في صناعة الحرير بدمياط ثم انتقل منها إلى المحلة الكبرى قبل نحو مائة وخمسين سنة.
 

وفاته

توفي العقاد -رحمه الله- في عام 1964، عن عمر يناهز أربعة وسبعين عاماً، وقد كانت وفاته في مدينة القاهرة عاصمة جمهورية مصر العربية، ولم يتزوج أبدًا.

اضافة تعليق