إساف ونائلة.. قصة تحويل المدنس إلى مقدس

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017 12:00 ص

الأسطورة
 
تقول أسطورة إساف ونائلة كما رواها الإخباريون العرب، إن امرأة تدعى نائلة جاءت حاجة من اليمن إلى مكة مع رجل يدعى إساف للحصول على البركة الإلهية في النسل، فطافا ثم دخلا جوف الكعبة، ففجر الرجل بالمرأة في غفلة من الحجيج، وفي روايات أخرى (قبّلها فقط)، فمُسخا إلى حجرين.
 
أصبح الناس ووجدوهما مسخين فأخرجوهما، وتم نصب الممسوخين عند الكعبة ليعتبر الناس بذلك. حدث ذلك بجسب البعض في عصر كانت فيه قبيلة جُرهم تسيطر على مكة، حيث أتى عليها زمن طغت فيه، وأحلّت في الحرم أموراً منافية لأديان ومعتقدات القبائل العربية الأخرى، فكان ذلك التحليل مسوغاً لأن يأتي إساف ترافقه نائلة من اليمن حاجين إلى مكة، طامعين ببركة النسل عبر زواج غير شرعي كانت جرهم تحلله في مكة في ذلك العصر، لكن المفاجأة لجرهم أن المتحابين قد نالا عقاباً سماوياً حين مسخا إلى حجرين.
 
وتناهت أنباء مسخ الحاجين إلى حجر بين القبائل العربية، وانتشرت أسطورة الزنا في المكان المقدس، وسرعان ما علمت القبائل أن الرجل والمرأة كانا من أصل قبيلة جرهم في اليمن، باعتبار أن ـ جرهم قبيلة يمنية قديمة من حمير، في الأساس كانت وافدة من اليمن، وهم أول من سكن مكة، وقد تزوج منهم النبي إسماعيل عليه السلام، وهم أخواله.
 
بعد حادثة إساف ونائلة، بدأ من جديد صراع القبائل حول مكة والسيطرة الدينية على البيت الحرام، وبالأخص أن جرهماً بعد حادثة المسخ أصيبت بداء تفشى في مكة، فمات منها في ليلة واحدة ثمانين كهلاً، سوى الشباب، ثم تعرضت القبيلة للفناء عندما فاجأهم (سيل وادي إضم، فاجتاح منازلهم فذهب بهم)، وتتكرر في روايات الإخباريين عن العقاب الإلهي لجُرهم، بوصفه استكمالاً للعقاب الذي أنزله الله بحق إساف ونائلة.
 
وحين أخرجت جرهم إساف ونائلة من جوف الكعبة، سعت إلى نصبهما عند الكعبة وهما في وضع الاندماج الموحد ذاته الذي مسخا عليه، فكانا تمثالاً واحداً لرجل وامرأة، التصقا واندمجا في شكل معماري واحد. وفي أجواء الصراع على مكة، حيث تُبنى صروح وتُهدم، وتحل أصنام محل أخرى، ظهر تمثال إساف ونائلة كمعبود عربي واحد عظيم الشأن وتلاشت أسطورة الزنا، وكان ذلك عندما تولت قبيلة خزاعة رئاسة مكة.
 
ثم جرى في وقت لاحق أن تولت فيه قريش الزعامة على مكة، فبرزت فكرة فصل التمثال إلى منحوتين، ففرقت ما بين المعبود ذي الجسد الواحد الذي اندمج فيه إساف بنائلة، ونصب إساف على الصفا، فيما نُصبت نائلة على المروة، وصار الناس يتمسحان بهما في عصور الجاهلية أثناء أداء مراسم الحج.
 
لقد حدث هذا الانفصال تزامناً مع الانفصال التاريخي بين الإله العزى الذي نصب في الجنوب (اليمن)، عن الإله العزى في الشمال (الحجاز)، وجرت عبادتهما كلاً بذاته، ولذاته، تقرباً وزلفى إلى الله.
 
وقد تكون هذه الحقبة هي حقبة انهيار التماهي بين المعبودين الذكوري والأنثوي، والطور الانتقالي من العصر الأمومي إلى العصر الأبوي، ومن الأنثوي إلى الذكوري، وهذا ما يمكن استنتاجه من طقوس وشعائر عبادة إساف، حيث يستلمه الحاج أولاً ويتمسّح به، قبل أن يتجه نحو نائلة ليستلمها ويتمسّح بها ثانية، بينما كانت هذه الطقوس قبل الانفصال تتطلب التمسح بهما معاً كمعبود واحد.

اضافة تعليق