هل يجوز استخدام الوسائل العلمية الحديثة في إثبات جريمة الزنا؟

الثلاثاء، 12 ديسمبر 2017 12:00 ص

وضع الشرع شروطً دقيقة لترتب العقوبة عليها، فلم يثبتها إلا بأحد أمرين؛ أولهما: الاعتراف، أي الإقرار من الفاعل بأنه ارتكب هذه الجريمة، والثاني: البينة؛ بأن يشهد أربعة شهود بأنهم قد رأوا ذلك الفعل يَحصُل.
 
أما دليل الأول: فهو أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قَبِله ممن قام به ورَتَّب عليه عقوبتَه، كما في واقعة ماعز بن مالك، وواقعة المرأة الغامدية رضي الله تعالى عنهما "صحيح مسلم".
 
وأما دليل الثاني: فقوله تعالى"واللاتي يَأتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُم فاستَشهِدوا عَلَيَهِنَّ أَربَعَةً مِنكُم"، وقوله تعالى: "والذينَ يَرمُونَ المُحصَناتِ ثُمَّ لَم يَأتوا بأربَعَةِ شُهَداءَ فاجلِدُوهُم ثمانينَ جَلدةً ولا تَقبَلوا لَهُم شَهادةً أَبَدًا وأولَئِكَ هُمُ 
 
والأمور المستحدثة والوسائل العلمية المتقدمة التي ظهرت ويمكن الاستعانة بها كأدلة إثبات في هذا الباب؛ كتحليل البصمة الوراثية (DNA)، وكالتصوير المرئي، والتسجيل الصوتي، لا تعدو أن تكون مجرد قرائن لا ترقى لأنْ تستقل بالإثبات في هذا الباب الذي ضيَّقه الشرعُ، بل إن تحليل البصمة الوراثية الذي هو أقوى هذه الوسائل يرى الخبراء القانونيون أنه دليل غير مباشر على ارتكاب الجريمة، وأنه قرينة تقبل إثبات العكس، وهذا صحيح؛ لأن هذه التحاليل يعتريها الخطأ البشري المحتمل.
 
 وحتى لو دلَّت البصمة الوراثية في نفسها على نفي النسب أو إثباته يقينًا، فإنَّ ذلك اليقين في نفسه يقع الظنُّ في طريق إثباته، مما يجعل تقرير البصمة الوراثية غير قادر على إثبات جريمة الزنا إثباتًا يقينيًّا، مما يجعل إثبات جريمة الزنا بذلك موضع شبهة وتردد، وغاية هذا التحليل أنْ يُثبِت أنَّ الماء المستقر في رحم المرأة هو ماء الرجل الفلاني، أو أنَّ هذا الحمل منه أو من غيره، وهذا إن ثبت لم يلزم منه ثبوت الزنا بالتعريف الشرعي السابق؛ لأنَّ مَنِيَّ الرجل قد ينتقل إلى رحم المرأة عمدًا أو خَطَأً أو عن قصد أو غير قصد؛ بأن يَتَشَرَّبه فرجُ المرأة من طريق استعمال ملابس أو أشياء ملوثة به مثلًا، أو تكون المرأة قد لابست المُحَرَّم ولكن دون حصول الإيلاج، وكل هذا لا يُعَد زنًا شرعًا.
 
وقد ذكر العلماء: "إن قالت: وُطِئْتُ بين الفخذين ودخل الماء إلى فرجي، فكان الحمل عن ذلك فينبغي أن يُدرأ الحَدُّ عنها؛ لأنَّ ذلك ممكن، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ".
 
ولا يَعني هذا إنكارَ إفادةِ الوسائل العلمية للعلم الظني أو اليقيني، بل إن الشروط والصفات الواجب توافرها لإثبات حصول جريمة الزنا وما يستتبعه من آثار لا تقف عند حد ثبوت الجماع أو الحمل مثلًا وحسب، بل لا بُدَّ من شروط أخرى نحو: ألا يكون الوطء وطءَ شبهة مثلًا، وأن يكون قد حدث جماع حقيقي كامل، وليس مجرد استدخال لمني الرجل في فرج المرأة بأي حيلة أو وسيلة.
 
يراعي الشرع فيما يعتبره من أسباب الإثباتِ العديدَ من الأبعاد النفسية والاجتماعية والأسرية، ولهذا قد تتداخل الأسباب وقد تتساقط، ولا يعني ذلك عدم كونها أسبابًا، ولا يعني تساقطُها إلا عدمَ اعتبارها في موضع سقوطها، وكونَ غيرها مقدَّما عليها بالاعتبار في هذه الحالة. 
 
وهنا قد نَصَّ الشارع على أسباب مُحَدَّدة لإثبات جريمة الزنا، وأسقط اعتبار غيرها مما اعتبره هو نفسه في أبواب أخرى؛ فدَلَّ ذلك على أنَّ الشارع قاصدٌ لعدم اعتبارها في هذا الباب بخصوصه، لا مطلقًا، فما توسع فيه الشارع توسعنا فيه بإذنه لنا في التوسع، وما ضَيَّقَه ضَيَّقناه ولم يكن لنا التوسع فيه، وإلا كان أخذنا بما لم يقبله الشارع من باب الافتئات عليه والعمل على خلاف قصده.
 
كما عدم الاعتداد بهذه الوسائل في إثبات جريمة الزنا إما لأنها لا يتحقق معها إثباتُ أركانِ الجريمة كاملة بحسب ما يقوله الشرع، كما في تحليل الحامض النووي، وإما لأنها لا تعتبر قرينةً كافية، كما في التصوير بسائر أنواعه الضوئي والفيديو وغيرهما، وغاية ما يمكن أن يقال في الوسائل العلمية أنها أقيمت مقام الأربعة الشهداء، والمقرر في قواعد الإثبات الشرعية أنَّ ما أقيم مقام الغير لا يوجب إثبات الزنا به كما نص عليه الإمام الكرابيسي الحنفي في كتابه "الفروق".
 
وعليه: فلا توجب الوسائل العلمية الحديثة كتحليل الحامض النووي وغيره إثبات جريمة الزنا.
 
قرر مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في القرار السابع (الدورة 16، لسنة 1422هـ/ 2002م)، وجاء في قراره ما نصه: "لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حَدٌّ شرعي ولا قصاص؛ لخبر "ادرءوا الحدود بالشبهات".
 
 

اضافة تعليق