المرابطات.. درع المسجد الأقصى

الأحد، 10 ديسمبر 2017 12:00 ص

الجميع يعلم بأن المحرك الأساسي للمقاومة الفلسطينية، كان وسيبقى دائما هو مجمع الأقصى، وخاصة مع المحاولات اليومية من المستوطنين الإسرائيلين بالاستيلاء على المجمع.
 
ومن يخفي عليه القلب النابض وراء تلك المقاومة مجموعة من النساء المتقدّمات في السن؛ أمهات وجدّات، أخذن على عاتقهن حماية مجمّع الأقصى من الاسرائيليين، تسمين أنفسهن بمرابطات الأقصى، سلاحهن الوحيد هو وجودهن في المجمع. 
 
فخلال السنوات الأخيرة كان لهن الدور الأبرز في صد هجمات المستوطنين وإحباط محاولات التسلل والسرقة داخل الأقصى، رغم السياسة القاسية التي تتبعها سلطات الاحتلال معهن؛ من تهديد، وضرب، واعتقال، وغرامات مالية، وإبعاد قسري عن الأقصى.
 
ورغم أن مكانة الأقصى الكبيرة في قلوب الفلسطينيات كانت الملهم الأول لفكرة الرباط، إلا أنها تعززت عقب افتتاح مصاطب العلم التي استقطبت الكثير من النساء والرجال لتلقي دروس العلم وتعلم وحفظ القرآن داخل باحات المسجد المبارك.
 
تنظّم النساء المرابطات صفوفًا جماعية للدراسة في باحات المسجد، وتبقين متيقّظات تحسّبًا لدخول مجموعات متطرفين بهدف آداء الصلاة في المسجد، كلما حاول المستوطنون الدخول أو الصلاة في المسجد، تبدأ النساء بالتكبير.
 
فمن مدن أم الفحم والناصرة وحيفا وعكا والمثلث ويافا، تحجّ المرابطات للأقصى بقطع مئات الكيلومترات، متحديات جميع حواجز الاحتلال ومحاولات عزله للمدينة المقدسة.
 
فهم بمثابة الدرع الأولى عند أي اقتحام للأقصى أو اعتداء من قبل المستوطنين أو الشرطة الإسرائيلية، تجد المرابطات يتصدّرن مشهد الدفاع عن الأقصى، فتكون المرابطة أول من يفديه بالدم والجسد والروح، بعدما فدته بوقتها ومالها وعملها ومنزلها، فتراها تصدح بالتكبيرات بكل ما أوتيت من قوة في وجه المستوطنين وجنود الاحتلال، يومياً، في أروقة الحرم القدسي الشريف، وفي أزقّة القدس القديمة عندما تحتدم المواجهات.
 
كما تنظّم النساء حلقاتهن الدراسية  في ثلاث مستويات، صف محو الأمية، وصفوف عامة بمستوى المرحلة الثانوية، وصفوف متقدّمة بمستوى الجامعة.
 
وفي وصف لذلك المشهد تضعن كراسي وطاولات بلاستيكية قرب باب المغاربة، البوابة الوحيدة التي تسيطر عليها الشرطة الإسرائيلية حصرًا في منطقة المسجد، باقي البوابات الأخرى تخضع لحراسة مشتركة من الشرطة الإسرائيلية المسلّحة، وحراس الوقف الإسلامي غير المسلّحين.
 
مع تصاعد حدة المخاطر التي تحيط بالمسجد الأقصى المبارك منذ سنوات عديدة، من محاولة تهويد مستمرة وطمس للمعالم الإسلامية فيه، إلى اقتحامه بشكل شبه يومي، لجأ أهالي مدينة القدس والداخل المحتل إلى إقامة مشروع مصاطب العلم، حيث أصبح المسجد الأقصى قبلةً للحجيج من عدد من مدن الداخل المحتل.
 
والمرابطات هن سيدات يقصدن الساحات المظللة لقبّة الصخرة، بعد منع قوات الاحتلال الرجال الذين تقل أعمارهم عن أربعين عاماً من الصلاة في المسجد لفترات محددة، فاضطلعت النسوة بهذه المهمة، واخترن مواجهة شرطة الاحتلال الصهيوني والرباط في الأقصى حماية له.
 
فوجودهن كان ولازال فعالًا للغاية في حماية الأقصى، والتصدّي لمحاولات إرغام الفلسطينيين على القبول بمشاركة المسجد الأقصى مع اليهود، و بذلك تكون هذه إحدى الحالات التاريخية التي يتصدى الضعفاء للأقوياء، ويحققون انتصارات غير مذكورة ولكنها تبقى انتصارات، فكل يوم تحمى هؤلاء النسوة المجمع، هو يوم انتصار.
 
ولجأ أهالي مدينة القدس والداخل المحتل إلى إقامة مشروع مصاطب العلم، حيث أصبح المسجد الأقصى قبلةً للحجيج من عدد من مدن الداخل المحتل، ورغم أن مكانة الأقصى الكبيرة في قلوب الفلسطينيات كانت الملهم الأول لفكرة الرباط، فإنها تعزّزت عقب افتتاح مصاطب العلم، التي استقطبت الكثير من النساء والرجال لتلقي دروس العلم وتعلم وحفظ القرآن داخل باحات المسجد المبارك.
 
من المؤكد أن مقاومة هؤلاء النساء لا تخل من الدراما، فجنود الاحتلال والمستوطنون يتعرضون لهن بالضرب، والاستفزاز، والمنع من الدخول. 
 
وتعتقل شرطة الاحتلال المرابطات بتهمة التكبير وهن في محيط المسجد الأقصى كلما أقدمن على ذلك لمرور فوج سياحي أو مجموعة من اليهود المتطرفين، مبررة هذا الإجراء بأنه يقع تحت طائلة بند "منع الوصول إلى مكان مقدس"، وهو قانون يهودي خاص بأماكن إقامة الشعائر الصهيونية، الأمر الذي دعا لاعتبار هذه الحادثة سابقة خطيرة، بظاهر قانوني، وباطن يراد به تهويد المسجد الأقصى، أو بالأحرى الاستيلاء عليه.
 
كثيرات تروين قصص شتم، و ضرب، واستهزاء، وفي بعض الأحيان الاعتقال والإبعاد، ولكن في جميع الحالات، وجود هؤلاء النساء في المجمع،  يشكل مشكلة بالنسبة لدولة اسرائيل. 
 
ولعل هذا هو الدافع وراء سعي وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي ‘يتسحاق أهرونوفيتش‘  لملاحقتهن، وحظر فعالياتهن.  وقد لجات السلطات الاسرائيلية إلى بعض قوانين الطوارئ المتشدّدة، لمنعهن من دخول مجمّع المسجد، لكنهن يتمسكن بحقهن في الذهاب إلى المسجد.
 
وتقول السيدة سميحة شاهين لـ مكتب إعلام الأسرى إنها تعرضت للاعتقال أكثر من ست مرات على يد الاحتلال وأبعدت عن المسجد الأقصى المبارك في عدد مماثل.
 
وتوضح بأنها في كل مرة يتم اعتقالها أثناء خروجها من أبواب المسجد الأقصى المبارك حين تتسلم بطاقة هويتها الشخصية؛ فيقتادها عناصر الشرطة إلى مراكز التحقيق القريبة ويتم تسليمها هناك أوامر الإبعاد عن الأقصى.
 
وتشير السيدة شاهين إلى أنها كانت تريد الأربعاء الخروج من المسجد الأقصى فاستوقفها عناصر الشرطة وسلمها أحد الضباط بلاغ استدعاء للتحقيق؛ وبعد أن تم التحقيق معها سلمت قرارا بالإبعاد عن الأقصى لمدة 15 يومًا.
 
وتؤكد شاهين بأن هذه السياسة لن تثني المرابطات عن التواجد في المسجد الأقصى لأنها سياسة جائرة تستهدف النساء حتى دون وجود اقتحامات للمستوطنين وذلك كي يزرع الاحتلال الرعب والخوف في قلوب السيدات والفتيات وحتى الأطفال.
 
وتتابع:" حين تم تسليمي ورقة الاستدعاء لم أكن أفعل شيئا في باحات الأقصى سوى التواجد وقراءة القرآن وقلت هذا الكلام للضابط ولكن الاستهداف كان لشخصي ولكل من يتواجد في الأقصى".
 
أم طارق الهشلمون، إحدى أبرز المدافعات الفلسطينيات عن المسجد الأقصى المبارك، وتعرّضت في كثير من الأحيان للاعتداء والضرب وإصدار عدة قرارات بإبعادها قسراً عن دخول الأقصى، والإقامة الجبرية في منزلها، من قبل سلطات الاحتلال؛ بسبب دورها في حماية الأقصى والدفاع عنه.
 
فتقول لمراسل "الخليج أونلاين": "مرابطات الأقصى هن خط الدفاع الأول عن المسجد المبارك مع حراس الأقصى، وهذا الدور نقوم به منذ سنوات طويلة، ونحاول بكل جهد وقوة وعزيمة نملكها التصدي للاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه والدفاع عن الأقصى بكل ما نملك".
 
وتضيف المرابطة الهشلمون: "المرابطات دائماً ما يتصدرن المشهد في الدفاع عن الأقصى، والعشرات منهن تعرّضن للضرب والسحل والإهانة والإبعاد من قبل سلطات الاحتلال؛ بسبب الدور الكبير الذي نؤديه في حماية الأقصى والتصدي للمستوطنين المتطرّفين، ولكننا لن نملّ أو نكلّ، وسنبقى ندافع عنه حتى آخر نفس نملكه".
 
إلى الأقصى كان قلب المقدسية أم محمد بكيرة يرحل كل يوم، فهي من إحدى المرابطات اللواتي صمدن في وجه المحتل، وتعرّضن للاعتداء والسحل في المسجد الأقصى من قبل أحد جنود الاحتلال أمام أعين الكاميرات، قبل أيام، خلال تصديها لمحاولة مجموعة من المستوطنين اقتحامه، تؤكد أن دور المرابطات يقلق إسرائيل والمستوطنين كثيراً.
 
المرأة الفلسطينية أثبتت نفسها بجدارة في الرباط بالمسجد الأقصى، وفي التفاعل الكبير مع مشروع مصاطب العلم في ساحاته، مشيرة إلى أن دورها مهم وحيوي، حيث يعدّ عامل تحريك لهمم الرجال والشباب، حيث إنهن يتركن أعمالهن وأولادهن وأزواجهن لفداء الأقصى، والوقوف سداً منيعاً أمام تدنيسه أو التفرد به
 

اضافة تعليق