معجزة الإسراء.. أحداث الرحلة بين مكة والقدس

السبت، 09 ديسمبر 2017 12:00 ص

تعُد الإسراء حادثة جرت في منتصف فترة الرسالة المحمدية ما بين السنة الحادية عشر إلى السنة الثانية عشر، وهذه الرحلة التي أرسل الله بها نبيه محمد على البراق مع جبريل ليلاً من بلدهِ مكة -المسجد الحرام- إلى بيت المقدس في فلسطين، وهي رحلة استهجنت قبيلة قريش حدوثها لدرجة أن بعضهم صار يصفق ويصفر مستهزئاً، ولكن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أصر على تأكيدها وأنه انتقل بعد ذلك من القدس في رحلة سماوية بصحبة جبريل على دابة تسمى البراق أو حسب التعبير الإسلامي عرج به إلى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى أي إلى أقصى مكان يمكن الوصول إليهِ في السماء وعاد بعد ذلك في نفس الليلة، كما ذكر في آيات الذكر الحكيم: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ."
 
روى البيهقي عن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ بإسناد صحيح قَالَ: "قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ؟" قَالَ: "صَلَّيْتُ لأَصْحَابِي صَلاَةَ الْعَتَمَةِ بِمَكَّةَ مُعْتَمًّا، وَأَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام.."، فإنَّ المقصود هنا من صلاة العتمة هو الركعتان اللتان يصليهما المسلمون في المساء؛ حيث كانت صلاة الفرض قبل الإسراء والمعراج عبارة عن ركعتين بالصباح وركعتين بالمساء. 
 
سُمِّي الإسراء بذلك لأن السرى هو السير ليلاً، وقد صرَّح بذلك ربُّ العالمين في القرآن الكريم فقال: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً.."، وكما أضاف كلمة "ليلاً" للدلالة على أن السرى حدث في جزء من الليل، وليس في كامل الليلة، وهذا أبلغ في الإعجاز.
 
استخدم البراق كوسيلة انتقال، وذلك من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، وهي دابَّة ليست من دوابِّ الأرض اسمها البُرَاق، حيث روى مسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ، وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ". قَالَ: "فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ".
 
وفي رواية للترمذي عنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِالبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ، قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقًا". 
 
ذكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا التقدير ليُؤَكِّد أنه يصف دابَّة معينة رآها وركبها، فليس هنا مجال لافتراض أن الأمر كان مجرَّد رؤيا، وقد وصفه كما في رواية الحارث- بأنه مضطرب الأذنين؛ أي أن الأذنين ممشوقتان طويلتان بلا لحم كثير، كما وصف موقفًا غريبًا حدث له عند الركوب، وهو أن الدابَّة نفرت واستصعب ركوبها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتدخَّل جبريل عليه السلام ليسوس الدابَّة، فأمسك بأذنها -أو فدارها كما تقول الرواية- ثم خاطبها خطاب العقلاء، فقال لها: "أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ"؛ فسال عرق الدابة خجلاً ورهبة. 
 
كما أرسل له جبريل مع هذه الدابَّة العجيبة، ثم وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرعة الدابَّة الفائقة فوَضَّح أنها تضع قدمها عند منتهى بصرها، والله أعلم بحِدَّة بصرها ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هنا يصف السرعة الحقيقية للدابَّة، كما أنه يُمهِّد كي يتم استيعاب رحلة الإسراء العجيبة إلى بيت المقدس؛ خاصة أنها لم تكن رحلة مباشرة، إنما تَوَقَّف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عدَّة أماكن.
 
انطلق البراق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في اتجاه بيت المقدس؛ ولكنه تَوَقَّف عدَّة مرات ليصلي الرسول في عدَّة أماكن في طريقه، حيث قال رسول الله: "فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا: يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ فَأَنْزَلَنِي، فَقَالَ: صَلّ؛ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ؛ قَالَ: صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ، صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ؛ فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا فَقَالَ: انْزِلْ؛ فَنَزَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: صَلِّ؛ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ، قَالَ: صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسَى عليه السلام، ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ، فَقَالَ: انْزِلْ، فَنَزَلْتُ، فَقَالَ: صَلِّ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، قَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ، قَالَ: صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى -عليه السلام- المسيح ابن مَرْيَمَ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِيِّ فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ فَرَبَطَ بِهِ دَابَّتَهُ". 
 
يتبين أن الرسول صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عدَّة أماكن شهدت أحداثًا مهمَّة في تاريخ الإنسانية؛ فصلَّى في يثرب حيث سيُهاجر بعد قليل، وحيث ستقام الدولة الأولى للإسلام، وصلَّى عند شجرة موسى -عليه السلام- في مدين، وهي الشجرة التي جاء ذكرها في كتاب الله في قوله تعالى: "فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" [القصص: 24]، وعند هذه الشجرة تلَّقى موسى عليه السلام البشرى بالأمان في رحلة هجرته من مصر إلى مدين، وهو موقف سعيدٌ يشرح صدر مَنْ يسمعه، فكيف بالصلاة عندها ولنضع في اعتبارنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيهاجر من مكة بعد حوالي ثلاث سنوات من هذه الرحلة، فكأنَّ هذه الزيارة تذكير له بحفظ الله تعالى لأنبيائه وأوليائه، ثم صلَّى ببيت لحم؛ حيث شهدت هذه البقعة معجزة ميلاد عيسى -عليه السلام- دون أب؛ وذلك إشارة إلى قدرة الله العزيز الحكيم، كما أنه المكان الذي شهد كلام عيسى -عليه السلام- في المهد؛ ليُنقذ الله بذلك أُمَّه مريم عليها السلام من اتهامات بني إسرائيل الباطلة.
 
مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في رواية مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه- على قبر موسى عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَتَيْتُ -وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ- عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ"، كذلك ورد في رواية للبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مكان هذا القبر بشكل أكبر؛ وذلك عندما نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب موسى عند موته، فقال: "فَسَأَلَ -أي موسى- اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ". قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ".
 
انتهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجبريل -عليه السلام- إلى بيت المقدس؛ فأحدث جبريل ثقبًا في الصخرة بإصبعه وربط بها البراق، قال بُرَيْدَةُ رضي الله عنه: قال رسول الله: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي انْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَخَرَقَ جِبْرِيلُ الصَّخْرَةَ بِإِصْبَعِهِ وَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقَ"، ثم دخل الرسول المسجد الأقصى وصلى فيه، وجاء في رواية البيهقي: "ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِيِّ فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ فَرَبَطَ بِهِ دَابَّتَهُ وَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ مِنْ بَابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللهُ". 
 
ورد في رواية مسلم: "فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ". قَالَ: "ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ". في هذه الرواية الأخيرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلَّى ركعتين؛ أنه ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف شكل الأنبياء عندما قابلهم في السموات، فغلب على الظنِّ أنه صلَّى بهم بعد عودته من رحلة السماء.
 
جاء جبريل -عليه السلام- للرسول -صلى الله عليه وسلم- بقدحين من خمر ولبن، أو لبن وعسل، فاختار اللبن، وكان الخير في ذلك الاختيار؛ قال أبو هريرة رضي الله عته: "أُتِيَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَيْنِ مِنْ خَمْرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ، قَالَ جِبْرِيلُ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ". 
 
روى في رواية البيهقي تأتي بعض التفاصيل الجديدة؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: "وَأَخَذَنِي مِنَ الْعَطَشِ أَشَدُّ مَا أَخَذَنِي، فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الآخَرِ عَسَلٌ، أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهِمَا جَمِيعًا، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ هَدَانِي اللهُ عز وجل فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ، حَتَّى قَرَعْتُ بِهِ جَبِينِي، وَبَيْنَ يَدَيَّ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ عَلَى مَثْرَاةٍ لَهُ، فَقَالَ: أَخَذَ صَاحِبُكَ الْفِطْرَةَ إِنَّهُ لَيُهْدَى".
 
تبدأ رحلة السماء، وقد جاء في رواية مسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- ما يُؤَكِّد أن العروج إلى السماء كان في ليلة الإسراء نفسها؛ حيث قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واصفًا موقف شرب اللبن وما تبعه: "ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ عليه السلام: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ..".

اضافة تعليق