الحوار والعقل.. سمح به الله حتى مع إبليس ورفضه الظلاميون حتى مع أبنائهم

الثلاثاء، 05 ديسمبر 2017 12:00 ص

كما جعل الله جل وعلا العقل غريزة أودعها في الإنسان تقوم بدورها بتحليل الواقع من خِلال مُدخلات الإنسان الحسيّة المُتمثّلة بجوارحه التي تُعطي تصوّراً عامّاً وتفصيليّاً عن الواقع الذي يعيشه، فالأعضاء والجوارح كُلّها جُنود للعقل ليقوم بالتحليل والخُروج بخُلاصة مُفيدة للإنسان، وفي هذا المقال سنتحدّث عن أثر هذهِ النِعمة العظيمة عليه.
 
حوارات إلهية
 
ومع نعمة العقل، سمح الله جل وعلا للإنسان أن يحاوره حينما سأل إبراهيم عليه السلام ربه كيف يحي الموتى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }البقرة260، وكان الحوار بين رب العالمين مع عبده ونبيه ابراهيم عليه السلام نتيجة سؤال إبراهيم عن كيفية إحياء الموتى فكان رد رب العالمين ليس فيه توبيخ ولا وعيد، بل أجابه وضرب له مثلا، وأمره بتطبيقه.
 
كما دخل الله عز وجل في حوار قرآنى مع الملائكة، ولم يكن حوارا معهم بوصفهم معارضين للمشيئة الإلهية، وإنما بوصفهم مستفسرين عن الحكمة فى استخلاف البشر المفسدين بطبيعتهم.
 
بل إن الله بقدرته وذاته العالية، دخل في حوار مع إبليس، في قوله تعالى :«وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين « (البقرة 34)، وأوضح أن أمر السجود كان سجود تكريم لا سجود عبادة، فى مثل إخباره تعالى عن سجود أهل يوسف له : «ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا» (يوسف 100)، لكن هذا الأمر يثير تساؤلا: هل كان إبليس من الملائكة وعصى أمر الله؟ أم كان من الجن استنادا إلى قوله تعالى: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه» (الكهف 50)، وعلى هذا أو ذاك فإن الحوار القرآنى قد تحول إلى نوع من الجدل من جانب إبليس، وقد بدأ جدله من خروجه على الأمر الإلهى بالسجود لآدم، ومع ذلك سأله الله عز وجل رغم علمه بما يدور في نفسه: «قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين» (الأعراف 12)، والجدل واضح فى رد إبليس.
 
وصعد إبليس من (الجدل) إلى (التمرد والعناد): «قال أنظرنى إلى يوم يبعثون0 قال إنك من المنظرين 0 فال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم 0 ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين « (الأعراف 14 ــ17), ثم يصعد إبليس من العناد إلى التحدى: «قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين 0 إلا عبادك منهم المخلصين» ويكون الرد الإلهى قاطعا: «قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين" (الأعراف 18).
 
وفى تصورنا أن هذا الحوار القرآنى كان بين سلطتين: السلطة الإلهية العليا  والسلطة الإبليسية السفلى وقد قدم درسا آخر للبشر الذين يسكنون الأرض فى العلاقة بين السلطات الأرضية والتشبيه مع الفارق قطعا، فقد تجرأ إبليس على معارضة السلطة الإلهية المطلقة (التى إذا أرادت شيئا فإنما تقول له كن فيكون)، والمفهوم ضمنا أن الله سبحانه هو الذى سمح لإبليس بهذا الموقف العصيانى الذى بلغ مرحلة التمرد ثم التحدى، ومن ثم كان الجزاء بقدر الخطيئة: «قال فالحق والحق أقول0 لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين».
 
وإذا كان ذلك كذلك فنحن البشر لنا الحق فى مواجهة السلطة الدنيوية فى مستوياتها كافة بالمعارضة الجزئية والكلية والحوار المدعوم بالمنطق والبرهان والقانون للوصول إلى الحقيقة والحق، وهو الدرس نفسه الذى تابعناه فى الحوار مع الملائكة .
 
إلا أن بعض الجماعات المتشددة تعتمد في منهجها مع الغير على السمع والطاعة، وتعطي لنفسها ما لم تعطيه لله جل وعلا، ولم يعطه الله لغيره، في السمع والطاعة المطلقة، التي لم يجبر بها الله أحدا سوى الملائكة التي خلقت لمثل هذا فقط، في حين كان نصيب البشر أن جعل الله لهم الخيار في السمع والطاعة، أو العصيان، ومعها يكون لكل امرئ ما اكتسبه وما كسبه من حسنات أو سيئات.
 
وعند هذه الجماعات الإسلامية المشتغلة بالدعوة والجهاد ضد المسلم وغير المسلم وتقوم بتكفير المجتمعات بمختلف أجناسها ودياناتها، تختار لها أمير، والأفراد الذين تحت هذه الجماعة ملزمون ببيعة الأمير على السمع والطاعة في المنشط والمكره، على ما يحب ويكره.
 
وقد حرم فقهاء المسلمين مثل هذه البيعة، وقال الفقهاء إن هذه الجماعة إذا احتاجت إلى وجود رئيس لها ومسئول عنها فلا يبايع، وهو مثل الأمير في السفر تماماً، وأمير السفر لا يبايع، وإنما يختار من أجل أن يكون مرجعاً لأصحابه، بحيث لو أراد أحد أن يذهب إلى مهمة، أو إلى جهة معينة، يستأذنه حتى يعرف أين ذهب، بخلاف ما لو لم يكن هناك أمير، فلعل كل شخص يمشي ولا يدري أحد عن أحد، لكن إذا جعلوا لهم أميراً، وصار يستأذن، وإذا أرادوا أن ينزلوا منزلاً رجعوا إلى رأيه، وإذا أرادوا أن يرتحلوا رجعوا إلى رأيه، فهذا لا بأس، وهذا من جنسه.
 
 وأما قضية البيعة فإنه لا يبايع إلا الإمام الذي يقيم الحدود، ويسمع له ويطاع بالمعروف. أما أمير يبايعونه في الحضر على السمع والطاعة، فإن الحضر مثل السفر، ما دام أنه ليس إماماً وليس والياً، فلا بيعة، لا في الحضر ولا في السفر.
 
ومع إعلان البيعة في مثل هذه الجماعات، يقوم الشباب والعامة بإلغاء عقولهم أمام عقل الأمير، فلا يجوز حوار الأامير في ما يأمر به من تكليفات حتى ولو كان ضد الشرع، ولا يجوز معارضته، لا يجوز نقاشه، وكما لم لايجوز مخالفة أوامره، أو تذكيره بالحرام والحلال، على افتراض أن الأمير هو الأكثر تحريا للحرام والحلال، وهو ظل الله في الأرض كما يصور لهم.
 
فيصبح الشباب والتابعين كقطع الشطرنج أو مجموعة من الغنم يحركها الأمير كيفما يشاء وإلى حيث يرى مصلحته، مقابل أن يلغي هؤلاءء عقولهم، فيصبحون مثل الانعام بل أضل سبيلا.
 
أثر نعمة العقل
 
أثر نعمة العقل على الإنسان للعقل آثار عديدة، ونذكر بعضاً منها كما يلي: الوصول إلى معرفة الخالق عزّ وجلّ من خِلال استخدام العقل البشريّ، الذي بواسطته نتأمّل في عجيب الكون ونتأمّل في مخلوقات الله، التي بثّها في الأرض، وباستخدام العقل يُدركُ الإنسان نواميسَ الكون وقوانينهُ التي تدلّ على وجود الإله الخالق جلَّ جلاله.
 
و العَقل يُمكّن الإنسان من تحقيق المنفعة ودرء المفسدة عنه، حيث إنَّ الشخص العاقل يعرف ما يضرّهُ وما ينفعه، فلا يُقدم على أمر فيه خُطورة عليه، بينما الشخص الذي فقد عقله كالمجنون هوَ بلا شكّ يجهل منفعة ذاته وكثيراً ما يُلحق الأذى بنفسه أو بغيره بسبب ضياع عقله.
 
ومِنْ أفضل نِعَم الله على عباده، نعْمةَ العقل، فلولا العقل لما عرَف الإنسان دينَ الإسلام والنبوة، والخيرَ والشر، والحقَّ والباطل، والمعروفَ والمنكر، قال - تعالى -: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ [الإسراء: 70]، فالله - تعالى - فضَّل بني آدم على غيرِهم منَ الجمادات، والحيوانات، والنباتات بهذا العقْل.
 
قال - تعالى - مادحًا عبادَه أصحاب العقول السليمة: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، قال ابن كثير: أي العقول التامة الزكية، التي تُدرك الأشياء بحقائقِها على جلياتها، وليسوا كالصمِّ البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [يوسف: 105- 106][1].
 
وقد ذمَّ الله - تعالى - أصحابَ العقول الغافلة عن دينه؛ فقال: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾[الأنفال: 22].
 
وقال - تعالى -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].
 
فإذا فَقَدَ الإنسان العقلَ السليم الذي يقوده إلى الخير، ويُبعده عن الشر، فقد أصبح كالبهيمة التي تأكل وتشرب ولا تعقل شيئًا؛ بل إنها خيْرٌ منه، كما في الآية الكريمة السابقة؛ روى الحاكم في "المستدرك"، من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  قال: ((إن الله كريم يحب الكرم، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافَها))[2]؛ أي: دنيئها وخسيسها.
 
قال ابن حبان: وإنَّ محبة المرء المكارم منَ الأخلاق وكراهته سفسافها، هو نفس العقل، فالعقل به يكون الحظ، ويؤنس الغربة، وينفي الفاقة، ولا مال أفضل منه، ولا يتمُّ دين أحد حتى يتم عقلُه، وهو من أفضل مواهب الله لعباده، وهو دواء القلوب، ومطية المجتهدين، وبذر حراثة الآخرة، وتاج المؤمن في الدنيا، وعُدَّته في وقوع النوائب، ومن عدم العقل لم يزدْه السلطان عزًّا، ولا المال يرفعه قدرًا، ولا عقل لمن أغفله عن أخراه ما يجد من لذَّة دُنياه[3]. اهـ.
 
قال الشاعر:
 
وَأَفْضَلُ قَسْمِ اللهِ لِلْمَرْءِ عَقْلُهُ
 
فَلَيْسَ مِنَ الخَيْرَاتِ شَيْءٌ يُقَارِبُهْ
 
إِذَا أَكْمَلَ الرَّحْمَنُ لِلْمَرْءِ عَقْلَهُ
 
فَقَدْ كَمُلَتْ أَخْلاقُهُ وَمَآرِبُهْ
 
وقال الشاعر:

لَيْسَ الجَمَالُ بِأَثْوَابٍ تُزَيِّنُنَا

إِنَّ الجَمَالَ جَمَالُ العَقْلِ وَالأَدَبِ 

اضافة تعليق