من دلائل النبوة.. إيمان ذوي العقول

الثلاثاء، 05 ديسمبر 2017 12:00 ص

وهؤلاء أهل العقول الراجحة الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما آمنوا عن دليل وبرهان ولم يأخذوا الأمر تقليداً واتباعاً وسنعرض نماذج من هؤلاء الذين التقوا الرسول وناقشوا معه دليل نبوته واتبعوا دينه، وكذلك ممن شهد له بالصدق والحق ولم يتبعه إيثاراً للملك كهرقل أو اشفاقاً من مفارقة قومه وجماعته كبعض أحبار اليهود.
 
إسلام أبو بكر:
 
فالصديق أبو بكر الذي هو أول الرجال إيماناً كان إيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم عن دليل وبرهان، فإنه قد صادق النبي قبل أن يبعث وعرف من أخلاقه وشمائله أنه ليس بكذاب وأنه يستحيل عقـلاً أن يعيش رجل أربعين عاماً من عمره لا تعرف عنه كذبه ثم يشرع بعد ذلك في الكذب على الله الذي هو أشنع الكذب. والكذب على الناس، وكذلك علم أبو بكر يقيناً أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم منـزه عن الغرض ويستحيل أن يكون له دخيلة أو يكون ممن يظهر خلاف ما يبطن ولذلك أسرع إلى الإيمان به عن ثقة ويقين، وقد كان لكل أحد وقفة تردد في قبول دعوة الرسول إلا أبا بكر الصديق رضي الله عنه فإنه ما علم أن دعاه النبي إلى الإسلام حتى بادر بالشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
 
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما دعوت أحداً للإسلام إلا كانت له إلا أبا بكر..]
 
وروى الإمام البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [أما صاحبكم فقد غامر فسلم ]، وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك، فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثاً، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر. فسأل أَثَمَّ أبو بكر؟ فقال: لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه. فقال: يا رسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن الله بعثني إليكم، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله. فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها] (رواه البخاري)
 
والشاهد أن إسـلام الصديق -وهو أول الناس إسلاماً- كان عن يقين ودليل وبرهان تحقق لأبي بكر بفضل الصحبة الطويلة قبل البعثة والمعرفة اليقينية بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقـد كان ثبات الصديق على هذا الدين، وضربه المثال الكامل للمؤمن الصديق، وتطبيقه الرائع الفريد لحقائق الدين وقيمه، دليل على صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
 
 إسلام خديجة رضي الله عنها
 
وكذلك كان إسلام أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فإنها قالت للنبي عندما قص عليها خبر ما رآه في الغار وقال لها الرسول: [لقد خشيت على نفسي] ولم يكن الرسول يعلم مَنْ هذا الذي نزل عليه في الغار ولا ما كان يريد.
 
فقالت خديجة رضي الله عنها له: (لا والله لا يخزيك الله أبداً فإنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعلوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق) (رواه البخاري)
 
ثم لما ذهبت به إلى ورقة بن نوفل رضي الله عنه وأخبرهما أن هذا هو الناموس الذي نزل على موسى كان هذا شهادة كذلك من رجل عليم بالرسالات.
 
ومن أجل ذلك كانت خديجة رضي الله عنها أول امرأة أسلمت بل لعلها أول إنسان آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وكان إيمانها عن دليل وبرهان ولم يكن مجرد تقليد واتباع لزوج.
 
ولا برهان أعظم مما رأته في النبي صلى الله عليه وسلم فقد عرفت فيه الصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الخلق والرحمة بالخلق ومثل هذا لا يخزيه الله أبداً.
 
إسلام السابقين من المؤمنين
 
وهكذا الشأن في السابقين الأولين من الذين عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فإن قريشاً كلها لم يجربوا عليه كذباً،بل وكل من تعامل بالنبي بمعاملة بيع أو شراء عرف في النبي صلى الله عليه وسلم الصدق والأمانة. ولذلك لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ويخبر أنه رسوله بادروا إلى الإيمان به، عن دليل، وبرهان، وأنضاف إلى ذلك مسارعة أمثال الصديق إلى الإيمان فإن تصديق الصادقين دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصادق يصدقه الصادقون وأما الكذاب فإنه لا يصدقه ولو ظاهراً إلا من كان على شاكلته من أهل الكذب.
 
كيف أسلم من لم يكن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة؟
 
وأما من لم يكن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فإن أهل العقل والحجى منهم لم يؤمنوا بالنبي حتى علموا دلائل نبوته.
 
وذلك أن قوم النبي صلى الله عليه وسلم اختلفت مقالتهم فيه فمنهم من آمن به ومنهم من كفر به وهم السواد الأعظم. وهؤلاء الذين كفروا به شنعوا عليه بالباطل فتارة يقولون ساحر، وتارة يقولون كاهن، وتارة يقولون مجنون، وأخرى يقولون شاعر. وفي كل ذلك يرمونه بالكذب والإفك.
 
وهذا ما حمل أهل العقل والحجى من قبائل العرب خارج مكة ومن عقلاء اليهود والنصارى أن ينظروا في دلائل النبوة ويتحققوا هل هو فعلاً رسول الله حقاً وصدقاً كما يقول هو ومن آمن به أم هو كما يقول الذين كذبوه وعاندوه.
 
وقد سـارع كل ذي عقل ولب من هؤلاء إلى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وهذه نماذج هؤلاء:
 
 (1) إسلام أبي ذر رضي الله عنه:
 
وأبو ذر رضي الله عنه نسيج وحده، ونموذج فريد من البشر كان باحثاً عن الحق قبل أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، ودله بحثه على الإيمان بالله والإسلام له، ولما التقى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه طابق دليل النبوة فطرته السليمة، وتشوقه إلى الحق، وما علم أبو ذر الحق استعذب العذاب في سبيله.
 
قال البخاري رحمه الله: حدثنا عمرو بن عباس حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن المثنى عن أبي حمزة عن ابن عباس قال لما بلغ أبا ذر نبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من كلامه ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ،وكلاماً ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل شَنْةً فيها مـاء، حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه وكـره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل اضطجع. فرآه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعرف أنه غريب فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يرى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال: أما آن للرجل يعلم منزله!! فأقامه فذهب به، لا يسأل واحداً منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالث، فعاد على مثل ذلك فأقام معه، فقال: ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني فعلت. ففعل، فأخبره، قال: فإنه حق، وإنه رسـول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني، حتى تدخل مدخلي. ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: [ارجـع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري] فقال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلا صوته: أشهد لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قـام فضربوه حتى أضجعوه. فأتى العباس فأكب عليه فقال: ويلكم ألم تعلموا أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام. فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه (هذا لفظ البخاري).
 
 
 
 
 
 
 
وقد جاء خبر إسلامه مبسوطاً في صحيح مسلم وغيره فقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن هبة الله بن الصامت قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار -وكان يحلون الشهر الحرام- أنا وأخي أنيس وأمنا فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وذي هيئة فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس، فجاء خالنا فنثى ما قيل له (أي عابنا وذمنا وصدق الذي قالوه عنا)!! فقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لنا فيما بعد.
 
قال: فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكي. قال: فانطلقا حتى نزلنا محضرة مكة قال فقامر أنيس عن صرمتنا وعن مثليها، فأتينا الكاهن فَخَيّر أنيساً فأتانا بصرمتنا ومثلها وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، قال: قلت لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه. قـال: حيث وجهني الله. قال: واصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقى كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. قال: فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فألقني حتى آتيك قال: فانطلق فراث علي ثم أتاني. فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلاً يزعم أن الله أرسله على دينك، قال: فما يقول الناس له؟ قال: يقولون إنه شاعر وساحر وكان أنيس شاعراً. قال: فقال لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فوالله ما يلتم لسان أحد أنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: فقلت له هل أنت كافيني حتى انطلق؟ قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له.
 
قال: فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلاً منهم فقلت: أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إلي، فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشياً علي!! ثم ارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر فأتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدم ودخلت بين الكعبة وأستارها فلبثت به يا ابن أخي ثلاثين من يوم وليلة مالي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع.
 
قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان وضرب الله على أشحمة أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين فأتتا علي وهما يدعوان أساف ونائلة. فقلت: انكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك فقلت: وهن مثل الخشبة غير أني لم أركن!! قال: فانطلقتا تولولان، ويقولان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا قال فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقـال مالكما؟ فقالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها قالا ما قال لكما؟ قالتا قال لنا كلمة تملأ الفم!!
 
قال: وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت ثم صلى. قال: فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام. فقال: [عليك السلام ورحمة الله من أنت؟] قال: قلت من غفار!! قال فاهوى بيده فوضعهما على جبهته. قال: فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفـار، قال فأردت أن آخذ بيده، فقذفني صاحبه، وكان أعلم به مني، قال: [متى كنت ههنا؟] قال: قلت: كنت ههنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم. قال: [فمن كان يطعمك؟] قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمـزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قـال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنها مباركة إنها طعام طعم] قال: فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة قال: ففعل.
 
قال: فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم، وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر باباً فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وقال فكان ذلك أول طعام أكلته بها، فلبثت ما لبثت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إني قد وُجِّهتُ إلى أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟].
 
قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أنيساً، قال: فقال لي ما صنعت؟ قال: قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت، قال: فما بي رغبة عن دينك فأني قد أسلمت وصدقت. ثم أتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت.
 
فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار، قال: فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان يؤمهم خفاف بن إيما بن رخصة الغفاري وكان سيدهم يومئذ، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمنا!! قال فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم بقيتهم. قال: وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله] ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه.

اضافة تعليق