الإمام مالك بن أنس.. صاحب الموطأ

الثلاثاء، 05 ديسمبر 2017 12:00 ص

ولعل الإمام مالك هو أسبق علماء الحديث في وضع ما عرف بفن الحديث، فإنه لا يكاد يعرف من سبقه في نقد الرواة والتشدد في الأخذ عن الرواة والعلماء، وجمع الإمام مالك في موطئه ما صح عنده من حديث وتفسير وتاريخ، وذكر أقوال الصحابة والتابعين والأئمة قبله.
 
*درجة الموطأ بين كتب الحديث :  
 
تأتي مرتبة الموطأ بعد الصحيحين، صحيح البخاري وصحيح مسلم، في الصحة في رأي جمهور المحدِّثين .
 
*من هوالإمام مالك :  
 
هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، إمام دار الهجرة وأجل علمائها، ولد بالمدينة المنورة عام (93 هـ)، وتوفي بها (179هـ)، وكان أبوه رضي الله عنه راوية للحديث .
 
تلقى الإمام مالك العلم من كبار العلماء والفقهاء من التابعين، وسمع كثيرًا من الزهري، حتى إنه يعتبر من أشهر تلاميذه، كما سمع من نافع مولى ابن عمر، واشتهر بالرواية عنه حتى أصبحت روايته عنه تسمى بالسلسلة الذهبية، وهي مالك عن نافع عن ابن عمر، وما زال دائبـًا على العلم وتحصيله حتى أصبحت له الإمامة في الحجاز، وأطلق عليه عالم المدينة، وإمام دار الهجرة، وانتشر صيته في الآفاق، فهرع إليه أهل العلم من مختلف بقاع الأرض، وكان يعقد مجلسـًا للحديث في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في وقار وأدب وحشمة، لا يرفع صوته فيه إجلالاً للرسول صلى الله عليه وسلم.
 
*سبب تأليف الموطأ :  
 
يروى في سبب تأليف الموطأ أن المنصور لما حج اجتمع بالإمام مالك وسمع منه الحديث والفقه وأعجب به، فطلب منه أن يدون في كتاب ما ثبت عنده صحيحـًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسائل العلم، وطلب أن يوطئه للناس، أي يجعله سهل التناول، فاستجاب الإمام مالك لطلب المنصور، وصنف كتابه العظيم الموطأ .
 
*عناية الإمام مالك بالموطأ :  
 
عني الإمام مالك بالموطأ عناية فائقة حتى قالوا: إنه مكث فيه أربعين سنة ينقحه ويهذبه، وأخذه عنه الأوزاعي في أربعين يومًا، فقال مالك: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يومـًا، ما أقل ما تفقهون فيه .
 
قال مالك: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهـًا من فقهاء المدينة ، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ، فقيل لهذا سمي الموطأ، وقيل إنه سُمي الموطأ، لأن المنصور قال له: وطئه للناس أي اجعله سهل التناول، والموطأ أي الممهد المنقح .
 
وروى الموطأ عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل، وضرب الناس فيه أكباد الإبل من أقاصي البلاد، منهم الأئمة المبرزون، ومنهم الفقهاء المجتهدون، ومنهم الملوك والأمراء كالرشيد وابنيه .
 
*احترام الإمام مالك للخلاف :  
 
لما حج الخليفة هارون الرشيد سمع الموطأ من الإمام مالك، فرغب أن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على العمل بما جاء به، فأجابه الإمام مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلاد، وكل مصيب، فعدل الرشيد عن ذلك. رواه أبو نعيم في الحلية .
 
وقال ابن كثير: وطلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه فلم يجبه إلى ذلك وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها .
 
*عدد ما في الموطأ من آثار :  
 
قال أبو بكر الأبهري: جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة حديث وعشرون حديثًا، المسند منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثًا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر حديثًا، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون حديثًا.
 
وبعض العلماء يعد أحاديث الموطأ أكثر، وبعضهم يعدها أقل، والسبب في ذلك أن رواة الموطأ عن الإمام مالك كثيرون، ويوجد عند بعضهم ما لا يوجد عند الآخر، وتيسر في عصرنا لعلماء الحديث الإطلاع على النسخ التي تمثل الروايات المختلفة .
 
وجمع الشيخ الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ما في النسخ المختلفة، فبلغت أحاديث الموطأ (1852) حديثًا، وأشهر رواة الموطأ هو يحيى بن يحيى الليثي، وإذا أُطلق في عصرنا موطأ الإمام مالك فإنما ينصرف لها .
 
*شروح الموطأ :  
 
اهتم العلماء وما زالوا يتناولون الموطأ، دراسة وشرحـًا وتخريجًا، ومن أهم شروحه :
 
1- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، والاستذكار في شرح مذاهب أهل الأمصار: والاستذكار مختصر من التمهيد، وكلاهما لحافظ المغرب الإمام أبي يوسف عمر بن عبد البر، توفي (463هـ) رحمه الله تعالى.
2- كشف المغطا في شرح الموطأ وتنوير الحوالك: وهو مختصر لما قبله ، وكلاهما للحافظ السيوطي .
3- شرح الزرقاني: واسمه محمد بن عبد الباقي الزرقاني المصري المالكي، توفي (1014هـ)، وشرحه شرحـًا وسطـًا .

اضافة تعليق