السلفية من النشأة لرفض كل من يخالفهم وتكفيره

الإثنين، 04 ديسمبر 2017 12:00 ص

وكانت من بين هذه المسائل الخلافية، ما أطلق عليه بعض الفقهاء في العصر الحديث "مسائل أس 10"، إلا أن التيار السلفي جعل منها مسائل عقدية، وهي زيارة الأضرحة والصلاة فيها والتي وصلت أراؤهم فيها لحد تكفير المصلي، وتحريم زيارة القبر، كما حرموا السلام على المصلين بعد الانتهاء من الصلاة بكلمة " حرما"، وكفروا من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما ذهبوا لأبعد من هذا باستهانة كرامة المرأة وإنسانيتها، بإباحة والنص على التعدد في الزواج، حيث جعله منه عقيدة واجبة على كل مسلم، لتظهر المرأة في عقيدتهم بانها ما هي إلا تابع خانع للتمتع.
 
 التأصيل الزمني للسلفية
 
 ظهر الفكر السلفي مع ظهور أتباع الإمام أحمد بن حنبل، (الحنابلة)، وواصلت الحركة السلفية، في صحوتها هذه، السير على منوال العقائد التي صاغها ابن حنبل ومعاصروه، ونهجت النهج النصوصي الذي بلوروه، مع إضافات عديدة طرحتها مواجهتهم لما استجد من بدع وخرافات، ومع مرونة ملحوظة في الموقف من القياس والتأويل، فرضتها التعقيدات التي طرأت على المجتمعات التي عاشوا فيها والأبنية الفكرية التي تصارعت في هذه المجتمعات..
 
لكن هذه الصحوة السلفية لم تنجح فيما نجح فيه أحمد بن حنبل.. فلم تصبح مذهبا للدولة، وإنما ظلت حركة معارضة يلقى أعلامها السجن والعنت والاضطهاد.
 
ولما ورثت الدولة العثمانية دولة المماليك، وواصلت -على الجبهة الفكرية- جمودهم وما شاع في ظل سلطانهم من بدع وخرافات، الأمر الذي فتح في جدار الشرق الإسلامي العديد من الثغرات التي بدأ الغرب الاستعماري يسعى كي يتسلل من خلالها.. لما حدث ذلك، وأصبح الإسلام غريبا، مرة أخرى، كما كان في البدء، اتخذت حركة اليقظة والتجديد في عصر أمتنا الحديث سبيل الحركة السلفية تدفع بعقائدها البدع والخرافات عن فكر الإسلام، ساعية إلى إعادة قيادة الإسلام إلى العرب، بعد أن تأكد عجز الأتراك العثمانيين عن القيادة أمام الخطر الاستعماري الزاحف على بلاد الإسلام.. وهكذا عرفت الأمة أعلام الحركة السلفية الحديثة:
 
- محمد بن عبد الوهاب "1115-1206هـ 1700-1792م".
 
- ومحمد بن علي السنوسي "1202-1276هـ 1787-1859م".
 
-والشيخ محمد رشيد رضا "1282-1354هـ 1865-1935م".
 
النص لا الرأي:
 
في أمور الدين -لا الدنيا- يكاد يتفق علماء الإسلام على أنه لا مجال "للرأي" أو الاجتهاد إذا ما وجدت النصوص، لكن من عدا السلفية يشترطون في هذه النصوص، وحتى يمتنع بوجودها الرأي والاجتهاد، يشترطون فيها أن تكون "قطعية الدلالة وقطعية الثبوت"، بمعنى أن تكون دلالتها واضحة وقاطعة، لا تقبل الاحتمالات، وأن يكون ثبوتها قطعيا، من حيث الرواية، والأكثرون يشترطون في النصوص الدالة على أمور اعتقادية أن تكون "متواترة"، ولا يقبلون الإلزام في هذا الباب بأحاديث الآحاد.. أما إذا لم تكن النصوص "قطعية الدلالة، قطعية الثبوت" فإنهم -غير السلفية- لا يرون وجودها مانعا من إعمال الرأي فيها أو الاجتهاد معها.. فالاجتهاد مع النصوص، في هذه الحالات، أمر وارد، بل ومقرر عند غير السلفيين من العلماء.
 
أما علماء السلفية فإنهم يرون في وجود النصوص والمأثورات مانعا من أعمال الرأي فيها، وذلك بصرف النظر عن قطعية دلالتها وقطعية ثبوتها.. ولقد سبق ورأينا إفتاء أحمد بن حنبل بوجوب التزام الحديث الضعيف، والامتناع عن "الرأي" عند وجوده، وإفتاءه بالحكمين المختلفين في الأمر الواحد عند وجود نصين متعارضين فيه، ذلك دون إعمال "الرأي" في الموازنة بينهما والترجيح لأحدهما على الآخر!..
 
والروايات في هذا الباب عن إمام السلفية كثيرة، فمحمد بن أحمد بن واصل المقري يقول: "سمعت أحمد بن حنبل -وقد سئل عن الرأي- فرفع صوته، وقال: لا يثبت شيء من الرأي، عليكم بالقرآن والحديث والآثار ".
 
أما عندما لا يوجد نص أصلا في الأمر يعرض للإنسان، وبعد أن يعرض الأمر على الكتاب، ثم السنة، ثم مأثورات الصحابة وأقضيتهم فلا يجد فيها نصا، فإن الأخذ "بالرأي" هنا يجوز، يتفق في ذلك السلفيون مع غيرهم من العلماء.. لكن علماء السلفية يعودون فيتقربون بهذا "الرأي" من "النصوص والمأثورات"، وذلك عندما يقدمون مرتبة "الرأي" "المروي" عن الذين شاهدوا التنزيل، أي: "رأي الصحابة"، ثم "الرأي المفسر للنصوص"، ثم "الرأي الذي تواطأت عليه الأمة، وتلقاه خلفهم عن سلفهم" على غيره.. ثم يعودون أيضا فيقررون أن هذا "الرأي"، في هذه الحالات، وبهذه الشروط، لا يفيد أكثر من "الظن"!، وأنه غير ملزم للآخرين، بل ومذموم!.. وبعبارة ابن القيم: فإن "الصحابة يخرجون الرأي علن العلم، ويذمونه، ويحذرون منه، وينهون عن الفتيا به، ومن اضطر منهم إليه أخبر أنه ظن، وأنه ليس على ثقة منه ومن الشيطان، وأن الله ورسوله بريء منه، وأن غايته أن يسوغ الأخذ به عند الضرورة، من غير لزوم لأتباعه والعمل به .
 
النص لا القياس:
 
وفي الموقف من "القياس" نجد السلفية يقبلون جوانب يعدها غيرهم من القياس، لكنهم هم يخرجونها من إطاره.. كما نجدهم يحددون للمقبول منه شروطا تضيق منه نطاقه إلى حد كبير.. ثم هم ينظرون إليه نظرتهم إلى "الرأي" في حضرة النصوص!..
 
فإذا كان المراد بالقياس: "رد الشيء إلى نظيره" قبلوه، شريطة أن يكون التماثل بينهما تاما ومن كل الوجوه.. وبعبارة الإمام أحمد:
 
فإن"القياس: أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه فهذا خطأ.." كما يقبلون رد الفروع إلى أصولها، وإن لم يعدوها -على خلاف الآخرين- قولا بالرأي(20)... أما إذا أريد بالقياس: "المعنى المستنبط من النص لتعدية الحكم من المنصوص عليه إلى غيره" فإنه عندهم غير مقبول.. وهذا الذي لم يقبلوه من أنواع القياس هو الميدان الأوسع والأساس للقياس عند غير السلفيين من العلماء!..
 
وهذا الموقف الذي وقفه السلفيون من القياس هو الآخر أثر من آثار منهجهم النصوصي.. فهم تبعا لهذا المنهج قد رأوا أن النصوص والمأثورات قد أحاطت بحكم جميع الحوادث، الماضي منها والحاضر والمستقبل، ومن ثم فلا حاجة للقياس، كما أنه لا حاجة للرأي؛ لأن النص إذا وجد -وهو في رأيهم موجود- فلا مكان للقياس.. ولقد عرض ابن القيم لموقف الفرق الإسلامية من إحاطة النصوص بحكم جميع الحوادث، وتحدث عن انقسام هذه الفرق في هذه القضية إلى معسكرات ثلاثة، أنكر أولها إحاطة النصوص بأحكام الحوادث، بل ولا بعشر معشارها.. ومن ثم قرر أن الحاجة إلى القياس تفوق الحاجة إلى النصوص.. وقابل هذا المعسكر القائلون ببطلان كل قياس، وتحريمه جليا كان هذا القياس أو خفيا.. وهم ذلك أنكروا وجود الحكمة أو العلة في التشريع.. أما المعسكر الثالث -وهم الأشعرية- فقد نفوا الحكمة والعلة والسببية، ومع ذلك أقروا بالقياس..
 
 النص.. لا التأويل.. ولا الذوق.. ولا العقل.. ولا السببية:
 
واتساقا مع منهج السلفية النصوصي رفضوا "التأويل" -الذي هو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله. بل ذهبوا إلى أن التأويل هو الذي أفسد سائر الأديان، وحولها عن الاستقامة والسداد.
 
وكذلك رفضوا "ذوق" الصوفية و"وجدهم"، لأنها أمور ذاتية تختلف باختلاف أهواء صاحبها وما يحبه ويهواه، واستنكروا تقسيم الصوفية الأمور إلى "شريعة" لغيرهم، و"حقيقة" لهم، جعلوا سبيلها الرياضة والسلوك، غير المقيد بأمر الشارع ونهيه، اكتفاء "بالذوق والوجد".. لأن النصوص هي مصدر الأمر والنهي الإلهيين.
 
كما رفضوا ما يسميه المتكلمون "حقائق عقلية" لم تشهد عليها السمعيات.. وعرضوا وهم يناقشون هذه القضية للموقف من العقل، فلم ينكروه؛ لأن السمعيات قد تحدثت عنه {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [تبارك: 10]، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4]، {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج: 46].. ولكنهم أنكروا "العقل" كما تصوره الفلاسفة اليونان، ومن نحا نحوهم من علماء الإسلام وفلاسفته، وهو التصور الذي يجعل "العقل عندهم جوهرا قائما بنفسه"، وقالوا: إن "العقل" لا يعدو: "الغريزة التي جعلها الله في الإنسان يعقل بها".
 
وهذا الخلاف حول "العقل".. هل هو جوهر قائم بنفسه، أم مجرد "غريزة جعلها الله في الإنسان" ليس خلافا شكليا ولا هينا، ذلك أن القول بأنه جوهر قائم بنفسه يجعله أداة تدرك كنه الأشياء وإن لم ترد فيها نصوص ولا مأثورات، أما إذا كان مجرد غريزة جعلها الله في الإنسان يعقل بها فإن هذا التصور له يوحي بعدم استقلاله بالإدراك، كسبب أول لهذا الإدراك.. ويزكي هذا التفسير أن السلفية يحكمون بالضعف أو الوضع على "كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث! " (25).. فنحن هناء بإزاء موقف يغض من شأن العقل لحساب النصوص والسمعيات.. وهذا الموقف الذي تتخذه السلفية من العقل لا يوافقهم عليه الكثيرون من فرق الإسلام وعلمائه، هؤلاء العلماء الذين لم يمنعهم الخلاف حول تقديرهم لسلطان العقل بإزاء السمعيات، ولا اختلافهم في تعريف العقل من ترجيح تعريفه القائل: "إنه جوهر مجرد، يدرك الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة.
 
أما السببية.. فإن السلفية تتخذ منها موقفا وسطا -أو يبدو كذلك- ففي رأي ابن القيم أن الناس قد افترقوا بإزاء الأسباب والسببية إلى طرق ثلاث: فقوم أنكروا السببية على الإطلاق، وقالوا إن الله سبحانه هو السبب الأوحد لوجود المسببات..وقوم أثبتوا السببية، وقالوا بلزوم المسببات عن أسبابها لزوم المعلول عن العلة، دائما وأبدا، دون تخلف، وهؤلاء هم "الطبائعية والمنجمون والدهرية" ... والفريق الثالث، وهم السلفية، اعترفوا بالأسباب، وبفعلها في المسببات، لكن ليس على وجه الاستقلال بالفعل؛ لأن السبب عندهم يظل دائما وأبدا محتاجا، كي يفعل المسبب إلى سبب آخر، والسبب الذي يفعل دون حاجة إلى سبب غيره هو الله سبحانه (27) ... "فما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.. والله وإن كان قد خلق ما خلقه لأسباب، فهو خالق السبب والمقدر له، والسبب مفتقر إليه كافتقار المسبب، وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضر، بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه، وإلى ما يدفع عنه الضرر الذي يعارضه ويمانعه، وهو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه.." .
 
ومن يمعن النظر في هذا الموقف، الذي حسبه السلفية طريقا ثالثا، بين منكري السببية بإطلاق ومثبتيها بإطلاق، يجده شديد الشبه بموقف الذين ينكرونها؛ لأن الأسباب إذا لم تستقل بالفعل لم تكن فاعلة على التحقيق، ومن ثم لم تكن أسبابا للمسببات، والقول بأنها مستقلة بالفعل لا يتعارض مع أنها كغيرها مخلوقة لله، فمثلها كمثل القوانين والسنن في الكون، برأها الله لتفعل هي أفعالها دون تبديل.. لكنه المنهج النصوصي الذي اختارته السلفية، واتسقت مع معطياته وهي تنظر في مختلف المجالات..
 
 تناقض:
 
لكننا إذا تتبعنا مدى التزام أعلام الحركة السلفية بمنهجهم النصوصي هذا، لم نعدم رؤية شيء من التناقض وقعوا فيه، وابتعدت آراؤهم في مواضعه عن الاتساق مع منهجهم النصوصي.. ذلك أن من آراء الحركة السلفية الجيدة والمتقدمة رأيها في "تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد" وهم يصفون هذا المبدأ بأنه "عظيم النفع جدا"، كما أنهم قد أسسوه على أن "الشريعة مبنية على مصالح العباد في المعاش والمعاد.. فمبناها وأساسها على الحكم، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.
 
وهم كذلك يؤسسون العلم الضروري للحاكم -القاضي- على نوعين من الفقه: فقه الواقع الذي يعيشه الناس.. وفقه النصوص الواردة في المشكلات التي يرفعها إليه المتحاكمون.. ويجعلون القضاء: مطابقة الواجب من النصوص على أحكام العرف والواقع والحوادث.. بل ويرون أن معرفة الواقع والتفقه فيه هو المنطلق إلى معرفة حكم الله ورسوله في هذا الواقع "فههنا نوعان من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع.

اضافة تعليق