البكاء.. رحمة الله بالقلوب

الأحد، 03 ديسمبر 2017 12:00 ص

كما يتميز الإنسان بخاصية البكاء دون غيره من الكائنات الأخرى، وتختلف سرعة البكاء من شخص إلى آخر، ويعتبر البكاء سلوكًا طبيعيًا عند عموم البشر، فالبكاء من خشية الله تعالى يلين القلب ،ويذهب عنه ذنوبه، قال يزيد بن ميسرة -رحمه الله-  " البكاء من سبعة أشياء : البكاء من الفرح ، والبكاء من الحزن ، والفزع ، والرياء ، والوجع ، والشكر ، وبكاء من خشية الله تعالى ، فذلك الذي تُطفِئ الدمعة منه أمثال البحور من النار " .
 
وأشاد المولى -عز وجل- في آيات الذكر الحكيم، في مدح البكائين من خشيته، "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا* ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا* ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا" (الإسراء 107-109).
 
يُعتبر البكاء فطرة الإنسان لا يملك دفع البكاء عن نفسه ، يقول الله تعالى: "وأنّه هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى " (النجم / 43) قال القرطبي في تفسيرها  " أي : قضى أسباب الضحك والبكاء ، وقال عطاء بن أبي مسلم : يعني : أفرح وأحزن ؛ لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء. 
 
وورد عن العلماء أن للبكاء أنواعًا، ومنها بكاء الخوف والخشية، وبكاء الرحمة والرقة، وأيضًا بكاء المحبة والشوق، و بكاء الفرح والسرور، وكذلك بكاء الجزع من ورود الألم وعدم احتماله، و بكاء الخور والضعف، وبكاء النفاق أن تدمع العين والقلب قاس .
 
 وهناك بكاء المستعار والمستأجر عليه، كبكاء النائحة بالأجرة فإنها كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- " تبيع عبرتها وتبكي شجو غيرها"، بكاء الموافقة "فهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر فيبكي معهم ولا يدري لأي شيء يبكون".
 
ويتمثل فضل البكاء من خشية الله؛ فضلًا عظيمًا، فقد ذكر الله تعالى بعض أنبيائه وأثنى عليهم ثم عقب بقوله عنهم: "إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا" (مريم58)، ورد عن الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد قال " لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ".
 
مواقف بكى فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-

ورد عَن ابن مَسعودٍ - رضي اللَّه عنه – قالَ : قال لي النبيُّ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-  " اقْرَأْ علي القُرآنَ " قلتُ : يا رسُولَ اللَّه ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ ، قالَ : " إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي " فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء ، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية "فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً" ( النساء / 40 )، قال " حَسْبُكَ الآن " فَالْتَفَتُّ إِليْهِ ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ .
 
ولما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه يحفرون قبرًا لدفن أحد المسلمين وقف على القبر وبكى ثم  قال  " أي إخواني، لمثل هذا فأعدوا "، وكذلك  روى مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله..." الحديث.
 
بكى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من أجلنا فروي أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تلا قول الله -عز وجل- في إبراهيم"رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني" (إبراهيم : 36)، وقال عيسى -عليه السلام-"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" (المائدة - 118 )، فرفع النبي يديه وقال: "اللهم ! أمتي أمتي" وبكى؛ فقال الله عز وجل: يا جبريل إذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله؛ فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بما قال، وهو أعلم؛ فقال الله: يا جبريل إذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك. 
 
وبكى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- رحمة بأسامة بن زيد عندما استشهد أبوه رحمه به، فعن ابن مسعود قال: لما قتل زيد بن حارثةـ أبطأ أسامة عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلم يأته، ثم جاءه بعد ذلك، فقام بين يدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فدمعت عيناه. فبكى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما نزفت عبرته قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم أبطأت عنا ثم جئت تحزننا؟ قال: فلما كان الغد جاءه. فلما رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقبلًا قال: إني للاق منك اليوم ما لقيت منك أمس فلما دنا دمعت عينه، فبكى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. 
 
وفي يوم بدر بكى الحبيب -صلوات الله وسلامه عليه- لما عاتبه الله في أسرى بدر بقوله تعالى"مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ" (الأنفال : 67)، لما جاءه عمر وجده يبكي هو وأبو بكر تحت الشجرة، فقال: يا رسول الله لم تبكيان؟ فإن وجدت ما يبكي بكيت، وإلا تباكيت. 
 
وبكى كذلك لما أوحى الله إليه باستشهاد شهداء مؤتة الثلاثة: زيد بن حارثة وجعفر الطيار بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وكان أشد بكاءً عند قتل أسد الله حمزة، وقتل السبعين من حفظة القرآن. 
 
تعلم الصحابة من نبيهم البكاء؛ فعن أنس -رضي الله عنه- قال : خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطبة ما سمعت مثلها قط فقال : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً " ، فغطى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجوههم ولهم خنين ، وفي رواية : بلغَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أصحابه شيء فخطب فقال : " عرضت عليَّ الجنة والنار فلم أر كاليوم من الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيراً " فما أتى على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أشد منه غطوًا رؤوسهم ولهم خنين " . والخنين : هو البكاء مع غنّة. 
 
فوائد البكاء من خشية الله؛ فتتمثل في أنه  يورث القلب رقة ولينا، وأنه سمة من سمات الصالحين، وكذلك أنه صفة من صفات الخاشعين الوجلين أهل الجنة، وأنه طريق للفوز برضوان الله ومحبته.

اضافة تعليق