"إلا دعوة المظلوم".. لماذا حذرنا الرسول من هذه الدعوة تحديدًا؟

الجمعة، 01 ديسمبر 2017 12:00 ص

لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى أهل اليمن لدعوتهم، أرشده إلى بعض القواعد المهمة لدعوة الناس إلى الحق الذي جاء به، وكان مما جاء في إرشاده خطابه لمعاذ رضي الله عنه، للتركيز على وضع أسس العدل بين أفراد المجتمع، والتحذير من دعوة المظلوم؛ لأن دعوته لا تُرد، كما جاء في التعبير النبوي: (ليس بينها وبين الله حجاب)، فالطريق أمامها مفتوح غير موصد، لا يصدها صاد، ولا يمنعها مانع .
 
*دعوة المظلوم :  
 
أشار هذا الحديث العظيم إلى قضية جوهرية لها أعظم الأثر في مسيرة الدعوة، ألا وهي قضية الحرص على تحقيق مبدأ العدل، والتحذير من مقارفة الظلم، نجد ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (واتق دعوة المظلوم) ومعناها: احذر دعوة المظلوم، واجعل بينك وبينها وقاية بفعل العدل وترك الظلم، ثم جاء البيان بعظم شأنها عند الله بقوله: (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، أي: ليس لها ما يصرفها ولو وُجد في المظلوم مانع من موانع الإجابة، كأن يكون مطعمه حراماً أو غير ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات يستجاب لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم)، وليس شرطاً أن يكون المظلوم مؤمناً، فدعوة الكافر المظلوم تصعد إلى الله تعالى؛ لأن كفره على نفسه كما جاء في رواية أنس بن مالك رضي الله عنه: (دعوة المظلوم وإن كان كافرا ليس دونها حجاب).
 
وفي الحديث إشارة إلى بيان دعوة المظلوم عند الله تعالى، لا سيما وأنه تكفل بنصرته كما جاء في الحديث: (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، والتاريخ مليء بصفحات أمم سادت ثم بادت، وما أطاح عروشها إلا دعوات المظلومين والمعذبين، هذا فرعون تمادى في طغيانه، وتجبر في ملكه، فأذاق بني إسرائيل صنوف العذاب، وقتل أبناءهم واستحيى نساءهم، فما كان من موسى عليه السلام، إلا أن أوضح لقومه سبيل النصر على العدو، فقال لهم: {استعينوا بالله واصبروا}، فأمرهم باللجوء إلى الله تبارك وتعالى، ولم يكتف بالقول، بل أتبعه بالفعل كي يقتدي به قومه، فرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى، واجتهد في الدعاء على فرعون وأعوانه، كما قال تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}، فأجاب الله دعاءه، فما كان جزاء فرعون؟ أغرقه الله هو وجنوده في اليم، وما نفعه ملكه ولا جبروته، هذا جزاؤه في الدنيا، أما في الآخرة فليس له إلا النار، قال تعالى: {النار يعرضون عليها غدواً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}.
 
فاشتهر أهل مدين بتطفيف الكيل، وبخس الناس أشياءهم، وبالرغم من ذلك فإنهم يستوفون حقهم كاملاً إذا اكتالوا، فحذرهم شعيب عليه السلام، من هذا الفعل الدنيء فقال لهم: {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين}، فسخروا منه واستهزؤوا ، وتهددوا وتوعدوا، فاستنصر ربّه عليهم ، ودعا قائلاً: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين}، فاستجاب الله دعاءه، فأرسل عليهم حراً شديداً لا يرويه ظمأ، ولا يخففه ظلال، ثم بعث عليهم سحابة عظيمة فيها شرر ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفلهم، فلم يغن عنهم سلطانهم ولا ملكهم، فهذه الأمثلة وغيرها تبيّن عظم هذه القضية وشأنها عند الله تعالى.
 
الظلم وحقيقته :  
 
والظلم من الصفات الدنيئة والأخلاق الرذيلة، ولهذا نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عنه، فقال: {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون}، بل وحرمه تعالى على نفسه، كما في الحديث القدسي: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)، ثم إن الظلم من أعظم البلايا التي ابتُليت بها البشرية، وهو شقاء على الفرد والمجتمع معاً، وما من مصيبة تقع على مستوى الأفراد والشعوب إلا وكان الظلم سببها، وقرر القرآن هذه الحقيقة وبين أن سبب هلاك القرى والأمم ظلم أهلها، قال الله تعالى: {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} ( القصص:59 )، وقال أيضاً: {وما كان ربك ليُهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}.
 
وكان من سنن الله الكونية، كما قال ابن تيمية، خذلان الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، ونصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة؛ فالعدل والحق هو الأساس الذي قامت عليه السموات والأرض، يقول الله عزوجل: {ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى}.
 
والمتدبر لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يجد نصوصاً كثيرة قد ذمت الظلم وأهله وحذرت العباد منه، وذكر الله تعالى الظلم في أكثر من مائتين وأربعين موضعاً، محذرًا منه بأساليب مختلفة واشتقاقات متنوعة، فتارةً بتنـزيه الله تعالى نفسه عن هذه الصفة، قال تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد}، وتارة بالأمر بالعدل مع الناس كلهم حتى مع غير المسلمين، قال عزوجل: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} وقال: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}، وأحيانا يأتي ذم الظلم بذم أهله مقروناً بمقت الله لهم، كقوله تعالى: {وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما}، ووصف سبحانه ما دون الشرك من المعاصي بالظلم فقال سبحانه: { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.
 
وأما السنة، فجاء فيها الكثير من الأحاديث الشريفة التي تنفر من هذا الخلق الذميم ، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)، وأصل النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الحقيقة في نفوس أصحابه الكرام، وبين لهم أنها من سنن الله الكونية التي لا تتغير ولا تتبدل، فنهى عن الظلم، وذكر قصص الأمم السابقة التي كانت ظالمة، فلقيت جزاء ظلمها في الدنيا قبل الآخرة.
 
وللظلم عواقب سيئة على الأفراد خاصة والشعوب عامة، فلا تستقيم الحياة بدون عدل؛ لذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ترسيخ هذا المبدأ لمعاذ، وأرشده اتقاء دعوة المظلوم، كما ورد عنه في دعائه: (وأعوذ بك أن أَظلِم أو أُظلم).

اضافة تعليق