الدكتور عمرو خالد يكتب: سر رفض النبي القبول بالسلطة

الخميس، 30 نوفمبر 2017 12:00 ص

الأول: بإسلام حمزة بن عبدالمطلب، وعمر بن الخطاب، اكتسب المسلمون مركز ثقل كبيرًا داخل المجتمع المكى، ليس فقط لما كانا يتمعتان به من قوة عضلية، بل لما عرف عنهما من تميز ونجاح، فتوقفت قريش عن إيذاء النبى.
 
وفى هذا قيمة كبرى لمن أراد أن يخدم الإسلام، وهو أن النجاح فى الحياة والمعاملات هو ما يمكن أن تقدمه لدينك، فالفشل لن يفيده فى شىء، ولأن الإسلام ليس ضد الحياة، فالمسلم الناجح فى حياته وعمله، وغير المنعزل عن مجتمعه هو الذى يخدمه فى الحقيقة، لأنه ينفى وقتها بصورة عملية الصورة المشوهة عن ذلك الشخص المتدين المرتبط بدينه.
 
السبب الثانى: عدد المسلمين وقتها كان ٥٠ مسلمًا، ولم يكونوا منعزلين عن باقى أفراد المجتمع، بل كانوا يعيشون حياتهم بشكل طبيعى، يزورون عائلاتهم، ويخالطون الجميع، ويتعاملون معهم، لم يكونوا منعزلين، كما يفعل بعض المتدينين الآن، فتجده منغلقًا على نفسه، رافضًا الاختلاط بأحد، تحفظًا على سلوكه، أو رفضًا لمظاهر معينة داخل المجتمع، على الرغم من أن النبى صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤمن الذى يخالط الناس ويصبر على آذاهم خير من الذى لا يخالطهم».
 
السبب الثالث: أن قريش مجتمع متحفظ على تقبل أى فكرة جديدة، كما تواجه الأفكار الجديدة فى أى مجتمع آخر من العالم بالتحفظ والرفض فى البداية، فمرت العلاقة بثلاث مراحل أساسية، الأولى تجاهل، والثانية رفض وإيذاء وسخرية، انتهاءً بالمفاوضات والمساومات.
 
بدأت قريش المفاوضات مباشرة مع النبى صلى الله عليه وسلم، فعرضوا عليه «نعبد إلهك يومًا وتعبد إلهنا يومًا، وتعبد إلهنا سنة، ونعبد إلهك سنة»، فجاءهم الرد الحاسم من الله: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ».
 
لم تفلح المفاوضات المباشرة، فلجأت قريش إلى المساومات، فاتفقت فيما بينها على أن تعرض عليه خمسة أشياء: «مال، نساء، وجاهة، حكم، علاج»، وفوضت عتبة بن ربيعة ليطرح هذا العرض على النبى: «إن كنت تريد مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تفعل هذا الذى تفعله ليكون لك الشرف علينا، سودناك علينا، يعنى أصبحت قائدًا لنا، فلا نقطع أمرًا حتى نستشيرك، وإن كنت تفعل هذا الذى تفعله تريد به لتتزوج امرأة جميلة زوجناك أجمل بنات العرب، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك شىء من الجن أتينا لك بالأطباء لكى نعالجك».
 
ظنت قريش أنها بكل ما سبق من عروض يمكن أن تُغرى النبى من أجل أن يوقف دعوته، لكنه رفضها، ولم يقبل بأى منها، دون أن يحتد أو ينهر الوسيط، ورد عليه بكل هدوء: «أفرغت يا أبا الوليد، قال عتبة: نعم، قال: فهل تسمع منى، قال: نعم قل يا ابن أخى، قال: والله ما أريد شيئًا من هذا الذى عرضت، ولكن اسمع منى، وبدأ يقرأ سورة فصلت، والرجل يستمع إليه، حتى وصل للآية «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ»، فوضع عتبة يده على فم النبى، وقال له: ناشدتك بالرحم».. خاف مما قال فأمره بأن يتوقف عن الكلام».
 
فلما انصرف عتبة، ورآه سادة قريش عائدًا من بعيد، قالوا: لقد عاد عتبة بغير الوجه الذى ذهب به، قال لهم: إن أردتم الرأى منى.. دعوا محمد وما يقول، قالوا: سحرك يا أبا الوليد. سأتوقف عند رفض النبى للحكم تحديدًا، فقد يقول قائل: لماذا رفض على الرغم من أن ذلك كان سيختصر عليه بضع سنوات، سيضطر خلالها إلى الهجرة للمدينة، ومن ثم الانتظار لفترة حتى يستطيع المسلمون أن يشكلوا قوة تسمح لهم بالدخول إلى مكة. 
 
فلماذا رفض إذن؟، لأنه كان لا يخطط لهذا من الأساس، لم تكن تلك غايته، ولا الهدف الذى يتطلع إليه أبدًا، بل كان يخطط ليصلح.. ثم بعد ذلك الملك لله.. يضعه حيث يشاء «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَاء»، ولو كان قبل كان لأجبرهم على الإسلام، وهذا يتنافى مع المبدأ القرآنى العظيم «لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ».
 
لو كان قبل بالعرض، لكانت الغاية تبرر الوسيلة هى ديدنه، فحتى ينتصر الإسلام لا بد أن نقتل ونذبح، لكن الغايات العظيمة لا تتحقق إلا بالغايات العظيمة، لهذا السبب رفض القبول بالحكم، ولو كان قبل لأصبح الإسلام دينًا يقبل الالتواء، لكنه رفض وتحمل ضغط قريش حتى يصل الإسلام نقيًا.

اضافة تعليق