مبدأ التعايش.. السير على درب النبي

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017 12:00 ص


 وبهذا المنهج الوسطي اليسير أسس الإسلام مبدأ التعايش بين جميع الأطياف والمذاهب المختلفة في إطار من العدل والمساواة والدعوة إلي التعارف والتعاون، قال تعالي: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (الحجرات13) كما عمل علي توطيد العلاقات السلمية بين الناس في الداخل والخارج قال سبحانه: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (الممتحنة:8).

وحينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة كأن أول ما فعله بعد بناء المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وضع صحيفة المعاهدة مع اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة.

وهذه الصحيفة تدل بوضوح وجلاء على عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم، في صياغة موادها وتحديد علاقات الأطراف بعضها ببعض، فقد كانت موادها مترابطة وشاملة، وتصلح لعلاج الأوضاع في المدينة آنذاك، وفيها من القواعد والمبادئ ما يحقق العدالة المطلقة، والمساواة التامة بين البشر، وأن يتمتع بنو الإنسان على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأديانهم بالحقوق والحريات بأنواعها.

فقد أعلنت الصحيفة أن الحريات مصونة، كحرية العقيدة والعبادة وحق الأمن، إلخ، فحرية الدين مكفولة: «للمسلمين دينهم ولليهود دينهم» قال تعالى: \" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . سورة البقرة: 256.

وقد أنذرت الصحيفة بإنزال الوعيد، وإهلاك من يخالف هذا المبدأ أو يكسر هذه القاعدة، وقد نصت الوثيقة على تحقيق العدالة بين الناس، وعلى تحقيق مبدأ المساواة.

وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كان أول تطبيق عملي للدولة الإسلامية في حسن التعايش مع الآخرين من غير المسلمين، ودلالة على أن الإسلام دين لا ينفي الآخر على الإطلاق وأنه يقر أن الاختلاف بين الناس في أشكالهم وألوانهم ومعتقداتهم هو سنة إلهية وحكمة ربانية ، قال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) سورة هود .

وقال:" وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) سورة يونس .

وقال " وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) سورة الكهف .

ولقد استمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى وفاته يطبق هذا السلوك الحضاري القويم ، فعَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَسْلِمْ ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ ، وَهُْوَ عِنْدَهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَطِعْ أَبَا القاسِم صلى الله عليه وسلم ، فَأَسْلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُْوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ ِللهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ.

وحكاية أخرى ذكرتها كتب السنة عن المرأة اليهودية التي لبى النبي صلى الله عليه وسلم دعوتها وذهب إلى بيتها يشاركها طعامها ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ؛ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ ، فَأَكَلَ مِنْهَا ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ ، قَالَ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكَِ - قَالَ : أَوْ قَالَ : عَلَيَّ - قَالَ : قَالُوا : أَلاَ نَقْتُلُهَا ؟ قَالَ : لاَ ، قَالَ : فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً ما ذكر في كتب السنة عن موت النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا . قَالَتْ:اشْتَرَى رَسًولُ الله صلى الله عليه وسلم طَعَاما مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ ، وَرَهَنَهً دِرْعا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ.

ولقد أكد القرآن الكريم على هذه الحقيقة الناصعة الساطعة فقال عز من قائل : " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) سورة الممتحنة .

ولقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : " إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) سورة النساء .

وشدد النبي صلى الله عليه وسلم على حسن معاملة المسلم لغير المسلمين والعدل معهم وإعطائهم حقوقهم ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ جَوْشَنٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.

فاحترام النفس الإنسانية مبدأ إسلامي أصيل لا يختلف عليه اثنان ، وعن بن أبي ليلى ، أن قيس بن سعد وسهل بن حنيف كانا بالقادسية ، فمرت بهما جنازة ، فقاما ، فقيل لهما : إنها من أهل الأرض ، فقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام. فقيل : إنه يهودي. فقال : أليست نفسا؟.

ولقد سار الصحابة الكرام بعد النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك النهج القويم يطبقونه سلوكاً وأخلاقاً في حياتهم ، فهم يحترمون حق الآخر في الحياة ويعايشون معه دون ذوبان أو مهادنة .

فالتعايش مع الآخر لا يعني على الإطلاق الذوبان فيه وضياع الهوية والذلة والاستكانة له ، بل يعني الاحترام المتبادل ومعرفة كل طرف ماله وما عليه ، يُحكى أن عليًّا بن أبي طالب- رضي الله عنه- افتقد درعًا كانت عزيزةً عنده فوجدها عند يهودي فقاضاه إلى قاضيه شريح، وعليٌّ يومئذٍ هو الخليفة أمير المؤمنين، فسأل شريح أمير المؤمنين عن قضيته فقال: الدرع درعي، ولم أَبِع ولم أهب، فسأل شريح اليهودي: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟، فرد هذا متلاعبًا: الدرع درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب- يريد أن يمسك العصا من منتصفها- فيلتفت شريح إلى أمير المؤمنين: هل من بينة؟!. .وكان موقف شريح موقفًا رائعًا كموقف أمير المؤمنين.. لقد حكم بالدرع لليهودي لعدم وجود البينة عند المدعي أمير المؤمنين، وأخذ الرجل الدرع ومضى وهو لا يكاد يصدق نفسه، ثم عاد بعد خطوات ليقول: يا الله.. أمير المؤمنين يقاضيني إلى قاضيه فيقضي عليه؟!. إن هذه أخلاق أنبياء.. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. الدرع درعك يا أمير المؤمنين، خرجتَ من بعيرك الأورق فاتبعتها فأخذتها. فيقول علي رضي الله عنه: أمَّا إذا أسلمت فهي لك .

اضافة تعليق