ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟

الأربعاء، 29 نوفمبر 2017 12:00 ص

أجابت الإفتاء المصرية؛ أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعظيمٌ واحتفاءٌ وفرح بالحبيب المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-، وتعظيمُ اللحبيب حيث أن الفرح به أمرٌ مقطوع بمشروعيته؛ لأنَّه عنوان محبته التي هي ركن الإيمان.
 
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري"محبَّة النبي من أصول الإيمان، وهي مقارِنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها اللهُ بها، وتَوَّعَدَ مَن قدَّم عليهما محبَّة شيء من الأمور المحبَّبة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك".
 
القصد من الاحتفال بذكرى المولد النبوي تجمع الناس على الذكر، والإنشاد في مدحه والثناء عليه، وإطعام الطعام صدقة لله، والصيام والقيام؛ إعلانًا لمحبة سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وإعلانًا للفرح بيوم مجيئه الكريم إلى الدنيا.
 
حيث أن الاحتفال بالمولد النبوي مشروع بالكتاب والسنة واتفاق علماء الأمة، وذكر الله -عز وجل- في آيات الذكر الحكيم "وذَكِّرهم بأَيامِ اللهِ" (إبراهيم: 5)، كما كرَّم الله تعالى أيام مواليد الأنبياء عليهم السلام وجعلها أيام سلام؛ فقال سبحانه"وسَلَامٌ عليه يَومَ وُلِدَ" (مريم: 15)، وفي يوم الميلاد نعمةُ الإيجاد، وهي سبب كل نعمة بعدها، وكما يتبين فيس الآية الكريمة "قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا" (يونس: 58)، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الرحمةُ العظمى إلى الخلق كلهم.
 
ورد في السُنة النبوية أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- سُئِل عن صوم يوم الاثنين، فقال"ذاكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ" رواه الإمام مسلم في "صحيحه" عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه. وهذا إيذانٌ بمشروعية الاحتفال به صلى الله عليه وآله وسلم بصوم يوم مولده.
 
وعن بُرَيدة الأسلمي -رضي الله عنه- قال: خرج رسول اللهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- في بعض مغازيه، فلمَّا انصرف جاءت جاريةٌ سوداء فقالت: يا رسول الله، إنِّي كنت نذَرتُ إن رَدَّكَ اللهُ سَالِمًا أَن أَضرِبَ بينَ يَدَيكَ بالدُّفِّ وأَتَغَنّى، فقالَ لها الرسولُ "إن كُنتِ نَذَرتِ فاضرِبِي، وإلَّا فلا" رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، والإمام أحمد في "المسند"، والترمذي في "الجامع" وصححه، وابن حبان في "صحيحه"، وصححه ابن القطان وابن الملقن في "البدر المنير" (9/ 546، ط. دار الهجرة).
 
فإذا جاز ضرب الدُّفِّ فرحًا بقدوم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم؛ فجواز الاحتفال بقدومه للدنيا أولى.
 
وأما اتفاق العلماء فنقله الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (1/ 23، ط. دار الهدى) فقال"فالبدع الحسنة متفق على جواز فعلها والاستحباب لها ورجاء الثواب لمن حسنت نيته فيها، ومِن أحسن ما ابتُدِع في زماننا من هذا القبيل: ما كان يُفعَل بمدينة إربل -جبرها الله تعالى- كلَّ عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات والمعروف، وإظهار الزينة والسرور؛ فإن ذلك -مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء- مشعرٌ بمحبة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله، وشكرًا لله تعالى على ما منَّ به مِن إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين".
 
ونقله الحافظ السخاوي في "الأجوبة المرضية" (1/ 1116، ط. دار الراية) فقال"ما زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده صلى الله عليه وآله وسلم وشرَّف وكرَّم يعملون الولائم البديعة، المشتملة على الأمور البهجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرّات، بل يعتنون بقراءة مولده الكريم، وتظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم، بحيث كان مما جُرب".
 
وقد دَرَجَت الأمة الإسلامية منذ القرن الرابع والخامس من غير نكير على الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بإحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام والصيام والقيام وتلاوة القرآن والأذكار وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما نص على ذلك المؤرخون؛ كالحافظ ابن الجوزي وابن دِحية وابن كثير وابن حجر والسيوطي وغيرهم كثير، رحمهم الله تعالى.
 
وقد نص جماهير العلماء سلفًا وخلفًا على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وألَّف في استحباب ذلك كثير من العلماء والمحدثين والفقهاء، بَيَّنُوا بالأدلة الصحيحة استحبابَ هذا العمل ومشروعيته؛ فممن ألف في ذلك:الحافظ ابن دحية في كتابه "التنوير في مولد البشير النذير صلى الله عليه وسلم".
 
والحافظ العزفي في كتابه "الدر المنظم في مولد النبي المعظم صلى الله عليه وسلم".
 
وبناءً على ذلك: فالاحتفال بمولد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم -شاهدٌ على حبه وتعظيمه، وهو أمر مستحبٌّ مشروعٌ له أصلٌ في الكتاب والسنة، وقد درج عليه المسلمون عبر العصور، واتفق علماء الأمة على استحسانه، ولم ينكره أحد يعتدُّ به.

اضافة تعليق