علي أحمد باكثير.. تطويع الأدب لخدمة الإسلام

الثلاثاء، 28 نوفمبر 2017 12:00 ص

منذ مطلع الثمانينيات، صار الأديب اليمني الأصل علي أحمد باكثير زادا لا ينضب للباحثين اليمنيين والعرب على حد سواء، في ما يمكن وصفه بأنه رد اعتبار لهذا الأديب الكبير الذي أغنى بأدبه متنوع الاهتمامات (رواية ومسرحا وشعرا) دوحة الأدب العربي في القرن العشرين الميلادي.
 
 
النشأة
 
تميزت نشأة على أحمد باكثير بمزيج من دول مختلفة، فأصله من حضرموت باليمن، وقد ولد في إندونسيا، وعندما كبر، استقر في مصر، وقضى بها ما تبقى من عمره حتى رحيله.
 
وولد باكثير في 21 ديسمبر 1910م، في مدينة سورابايا بإندونسيا، لأبوين عربيين من حضرموت، وهناك تلقى تعليمه في مدرسة النهضة العلمية، فدرس علوم اللغة العربية والشريعة على يد شيوخ أجلاء، منهم عمه الشاعر اللغوي النحوي القاضي محمد بن محمد باكثير، وبزعت موهبته الشعرية في الصغر، فقد نظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره.
 
وصل باكثير إلى مصر في عام 1934م، والتحق بجامعة فؤاد الأول “جامعة القاهرة حاليًّا”، التي درس بها في كلية الآداب، وبعد انتهاء الدراسة، فضل الإقامة في مصر، حيث أحب المجتمع المصري، وتفاعل معه، فتزوج من مصر، وكان على صلة كبيرة برجال الفكر والأدب، ومنهم العقاد والمازني ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وصالح جودت وغيرهم، وفي الفترة من 1961 حتى 1963 حصل باكثير على منحة تفرغ لعامين أنجز فيهما ملحمة إسلامية كبرى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في 19 جزءًا، حيث تعتبر أطول عمل مسرحي عالمي، ثم حصل على منحة تفرغ أخرى أنهى خلالها ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر شملت “الدودة والثعبان، أحلام نابليون، مأساة زينب”.
 
 
الأسلمة الذكية
 
كان أول أعماله في ثلاثينيات القرن العشرين -التي تؤكد الأساس الإسلامي لمنطلقاته- ترجمة مسرحية "روميو وجوليت"، وفيها كان رائدا في ابتكار الشعر المرسل الذي كتب بها المسرحية ردا على أستاذ إنجليزي عاب على اللغة العربية عدم قدرتها عل استيعاب هذا النوع من الشعر.
 
وفي الفترة نفسها، كتب مسرحية "أخناتون ونفرتيتي" في أجواء الصراع الفكري الذي كان مستعرا يومها بين التيار العروبي الإسلامي من جهة والتيار الفرعوني من جهة أخرى، وفي المسرحية قدم باكثير شخصية "أخناتون" كمصلح ديني من الموحدين لله رب العالمين، وصدر المسرحية بالآية القرآنية "ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك"، كخيط ضوء يكشف به عن روح العمل الأدبي، وهو ما صار تقليدا في كل أعماله.
 
لكن أبرز جهود باكثير فيما يمكن وصفه "بأسلمة" روائع الأدب العالمي هو مسرحياته الثلاث: "مأساة أوديب"، و"سر شهرزاد"، و"فاوست الجديد".
 
ففي "سر شهرزاد" قدم تفسيرا جديدا لعقدة الملك الذي كان يتزوج كل ليلة فتاة عذراء ثم يقتلها في الصباح انتقاما من زوجته التي خانته مع عبده الأسود، حيث يبرئ المرأة من الخيانة، ويجعل السبب في عقدة الملك هو فشله في إقامة علاقة مع زوجاته مما يضطره لقتلهنّ، لكن شهرزاد باكثير نجحت في اكتشاف عقدة الملك هذه، وعملت بذكاء وصبر على علاجه منها من خلال الحكايات الليلية المثيرة حتى شفي ونجح في زواجه منها.
 
وفي "فاوست الجديد"، أعاد تقديم هذا العمل الأدبي الشهير عن بيع الإنسان روحه للشيطان مقابل أن يساعده على التمتع بكل ما يريد من الشهوات الحرام برؤية إسلامية متماهية مع زمن التأليف (الستينيات) ترفض إتمام العقد لما وجد فاوست العالم المخترع أن الشيطان يريد في مقابل تسهيل تمتعه بالشهوات الدنيئة أن يمنعه من تسخير علمه لمصلحة الفقراء، وفي المقابل يستغل اكتشافاته العلمية لخدمة الدولتين الكبيرتين في الحصول على ابتكاراته لاستخدامها في مجال التسليح والإضرار بالحضارة البشرية مما يضطره لإحراقها.
 
وفي الأخير، يتمرد فاوست على الشيطان ويرفض الالتزام بالعقد معه بعد أن يعود إلى طلب العلم من الله وحده، ويتوب عن جرائمه بحق النساء. وللدلالة على فكرة المسرحية اختار لها الآية القرآنية "إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ".
 
أما في مسرحية "مأساة أوديب"، فيرفض باكثير مسارها المعروف عالميا الذي يجعل البشر محكومين أو مسيرين غير مخيرين في اختيار مصائرهم، ويجعل نبوءة الكاهن الدجال التي تنبأت بأن ملك طيبة ينجب ولدا يقتله في المستقبل ويتزوج أمه مجرد حيلة ومكيدة دبرها الكاهن لمصلحة الملك المنافس، ويجعل باكثير كل الأحداث التي سوقها الكاهن على أنها من وحي الآلهة من كيده مقابل الحصول على أموال حرام والتمتع بأموال المعبد.
 
ويجعل باكثير خاتمة المسرحية مخالفة لما هو معروف، أي أن يفقأ أوديب عينيه بعد أن اكتشف أنه قتل أباه وتزوج أمه، ويعيد صياغتها وفقا للرؤية الإسلامية التي تفتح أبواب التوبة للإنسان مهما عمل من سوء، ناهيكم أن يكون قد تعرض لمكيدة جرجرته للخطيئة دون علم وتعمد منه.
 
وكعادته، يتخذ باكثير مفتاحا للمسرحية الآية القرآنية: "ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون".
 
ويكشف باكثير في كتابه "فن المسرحية من خلال تجاربي" أن مسرحية "مأساة أوديب" أراد بها تجسيد مأساة الشعب الفلسطيني التي دفع لها دفعا من قبل أرباب الصهيونية ونبوءاتهم الكاذبة عن الأرض التي وُعد بها اليهود كما حدث مع أوديب الذي دفع دفعا لتحقيق نبوءة الكاهن المزورة.

اضافة تعليق