الإمام محمد الخضر حسين.. الشيخ الحادي والأربعون للجامع الأزهر

الثلاثاء، 28 نوفمبر 2017 12:00 ص

النشأة
 
نشأ في كنف أسرته المتدينة، فحفظ القرآن الكريم في صغره، وألم بجانب من علوم اللغة العربية و العلوم الشرعية، وفي سن الثانية عشرة من عمره انتقل مع أسرته إلى تونس العاصمة، وبعد عامين من انتقاله إلى تونس العاصمة التحق بجامع الزيتونة، وقد ظهرت علامات التقدم عليه في طلب العلم وأمارات نبوغه في العلوم الشرعية وعلوم اللغة و تذوقه للغة والأدب، حتى لقد طلبته الحكومة ليتولى بعض الخطط العلمية قبل إتمام دراسته، لكنه اعتذر عن  قبول الدعوة لرغبة حكومة تونس الفرنسية.
 
تولي القضاء
 
في عام 1903، نال شهادته العالِمية من جامعة الزيتونة، وفي نفس العام أنشأ مجلة "السعادة العظمي"، وفي عام 1905 وتولى قضاء مدينة بنزرت ومنطقتها، إلى جانب التدريس و الخطابة بجامعه الكبير، لكنه ما لبث أن استقال من منصبه بالقضاء، وعاد إلى العاصمة التونسية مدرسا بالمدرسة الصادقية، وهي المدرسة الثانوية الوحيدة حينئذ، ثم تطوع للتدريس بجامع الزيتونة حتى تولى مهمة تنظيم خزائن الكتب بها، ثم تم تعيينه رسميا مدرسا بجامع الزيتونة.
 
مقاومة الاستعمار
 
عندما قامت إيطاليا بالتعدي على لبيبا، وقامت الحرب بينها وبين الدولة العثمانية، واحتلت إيطاليا طرابلس وبنغازي، وقف الشيخ بقلمه وسخر مجلته "السعادة العظمى" لاستنفار الأمة لمقاومة الغزو الإيطالي واستنهاض قوة الدولة العثمانية .
 
انتهت طموحات الإمام الإصلاحية بالصدام مع سلطات الاستعمار الفرنسي،  فتم توجيه اتهام له بـ " بث روح العداء للغرب وبخاصة لسلطة الحماية الفرنسية في تونس" عام 1911، فاضطر الشيخ للسفر إلى تركيا حفاظا على حياته، وحاول العودة مرة أخرى إلى بلده، لكن الوضع العام لم يكن ملائما للبقاء في وطنه، فاستقر به الحال أخيرا في دمشق التي عين بها مدرسا للغة العربية في المدرسة السلطانية عام 1912.
 
وجود الخضر حسين في تركيا جعله قريبا من سلطة الدولة العثمانية، فتم إرساله إلى برلين في مهمة رسمية 1915، واستمرت حياة الشيخ خلال فترة الحرب العالمية الأولى وما بعدها ما بين مهمات رسمية للدولة العثمانية أحيانا أو السجن، إلى أن  استقر به الحال في مصر 1921.
 
وجود محمد الخضر حسين في القاهرة لم ينسه قضايا وطنه الذي يعاني من نير الاحتلال الفرنسي، فأسس في 1924 جمعية "جمعية تعاون جاليات أفريقيا الشمالية"، لتكتيل و تحريك جهود أبناء شمال أفريقيا لتحرير البلاد من الاستعمار، وضمت هذه الجمعية مختلف المناضلين من شمال أفريقيا كالفضيل الورتلاني والبشير الإبراهيمي والحبيب بورقيبة .
 
  
 
 
الإنتاج العلمي
 
وفي القاهرة، وجه الشيخ جل نشاطه للإنتاج العلمي؛ ففي 1922 ألف رسالته "الخيال في الشعر العربي"، وعمل لعدة سنوات في تحقيق كتب التراث بالقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، ثم تقدم إلى امتحان العالمية بالجامع الأزهر، وحصل على الدرجة العلمية بجدارة، وأصبح واحدا من علماء الأزهر الشريف .
 
مثلت القاهرة في مرحلة الربع الثاني من القرن العشرين حالة من الزخم الثقافي والفكري بين مختلف التيارات الفكرية، وشهدت هذه المرحلة العديد من السجالات الفكرية بين المفكرين ذوي الاتجاه الإسلامي وأصحاب الرؤية الحداثية؛ ففي عام 1925 صدر كتاب " الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق الذي أهدى الشيخ محمد الخضر حسين نسخة من الكتاب، فما أن طالع الشيخ الكتاب حتى عكف على الرد عليه ومناقشة أفكاره، فألف كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" للرد على الشيخ علي عبد الرازق في نفس العام . في العام التالي 1926 ظهر كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين فرد عليه الشيخ في كتابه " نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
 
أسس الشيخ محمد الخضر حسين مع صديقه أحمد تيمور باشا في عام 1927 "جمعية الشبان المسلمين"، ثم أسس جمعية "الهداية الإسلامية" التي ضمت كوكبة من المثقفين ثقافة دينية ومدنية، وأصدر لها مجلة باسم الجمعية، وامتد نشاط الجمعية إلى الأقاليم، وقامت لها عدة فروع، وألقى فضيلة الشيخ عدة محاضرات بها وكتب العديد من المقالات في مجلة الجمعية، ولقد جمعت مقالاته ومحاضراته في كتاب من ثلاثة أجزاء تحت عنوان "رسائل الإصلاح".
 
عندما أصدر الأزهر مجلته "نور الإسلام" عام 1930 عهد إلى الشيخ برئاسة تحريرها حتى عام 1933، عندما تكون مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1932، تكون  من عشرين عضوا عاملا كان الشيخ واحدا منهم، وقد شارك في كثير من لجان المجمع العلمية كلجنة : اللهجات، والآداب والفنون الجميلة، ودراسات معجم  فيشر، والأصول، ومعجم ألفاظ القرآن الكريم، والمساحة والعمارة، وكذلك نشرت له مجلة المجمع العديد من الأبحاث.
 
تولي مشيخة الأزهر
 
وعقب يوليو 1952، كان منصب شيخ الأزهر شاغرا، فوقع اختيار الحكومة على الشيخ محمد الخضر حسين شيخًا للأزهر في 16 سبتمبر 1952، لكن سرعان ما ترك منصب مشيخة الأزهر،  فتقدم باستقالته  في 7 يناير 1954،  قائلا كلمته الشهيرة "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز"، وقد ألمح إلى ملابسات استقالته عندما قال: " إن الأزهر أمانة في عنقي أسلمها –حين أسلمها- موفورة كاملة، و إذا لم يتأت أن يحصل للأزهر على مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقل من ألا يحصل له نقص"، ومنذ ذلك التاريخ تفرغ الإمام للبحث والكتابة والمحاضر حتى توفي في 3 فبراير 1958.

اضافة تعليق