كيف تستغل التنظيمات الإرهابية وسائل الإعلام في الترويج للتطرف؟

الإثنين، 27 نوفمبر 2017 12:00 ص

وحتى تستطيع التنظيمات المتطرفة الترويج لفكرها المتطرف، والتسلل في قلب المجتمع، توظف بشكل مكثف الوسائل الجديدة للإعلام والاتصال، وخاصة المرتبطة منها بالإنترنت، حيث أصبح للإعلام التقني ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة أدوار مهمة وخطيرة في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم والشعوب.
 
فقد بات من السهل أن يتطرف الشاب ويتم تجنيده من داخل غرفة نومه أو من خلال هاتفه الجوال، بعيدا عن أعين أهله وذويه وأصدقائه وحتى مدرسته، ونظرا لخطورة هذه الوسائل ونشرها لفتاوى التطرف والإرهاب فإن الأمر يتطلب الوقوف عندها بالتحليل والبحث والتدقيق كي يتسنى معرفة أين تكمن خطورتها؟ وذلك من خلال أهم النظريات والأطروحات التي نظرت لوسائل الإعلام والاتصال، ومن تفكيك هندسة صناعة فتاوى الإرهاب والتطرف.
 
وفي هذا الإطار يقول الشيخ علي بن صالح الغربي العلوي ردا على أحد المتطرفين والمدعو "الميلودي زكرياء" من المغرب وهو ممن يكفر حكام المسلمين ويدعو المسلمين للخروج عليهم وشق العصا على ولاة أمورهم بالقتال والقتل باسم الجهاد:
 
إن ذلك ما أوحى له به إبليس من تكفير للمسلمين حكاما ومحكومين، ثم الدعوة إلى قتالهم وقتلهم وإراقة دمائهم، وقد أضل بقاله ومقاله مغفلين كثر، ومغلوبين على رشدهم واستشرى ضلاله بينهم فتمكن منهم حتى حمله كل غريب على هذا الدين، وجاهل بمنهج السلف الأولين.... إلى أن قال: ولا تغيير للمنكر عندهم إلا باليد، وأول عقبة لتغيير المنكر عندهم هي السب والشتم لحكام المسلمين ثم التحريض على الخروج عليهم، ثم بعد ذلك إراقة دم كل من لم ينتم لصراطهم (المستقيم) ويسير على هديهم، فمن عارضهم بدليل شرعي، أو خوف يخالجه، (أفتى الطاغية) أنه أصبح يستحل الحكم بغير ما أنزل الله وأنه أصبح من المدافعين عن المرتدين والمشركين، فيجب أن يلحق بهم في الحكم، أي تكفيره وتترتب على التكفير أحكام أخرى.
 
ويستخلص من هذه الفتوى المتطرفة والشاذة وتكفير الحكام وشرعنة التغيير باليد واستعمال القوة، فأسقط بذلك الحسبة التي هي من اختصاص أولي الأمر؛ لأنهم لا طاعة لهم عليه لكفرهم وردتهم عنده، ويستتبع تكفير الحكام وفق هذه الفتوى الشاذة تحريم التعامل مع المصالح الحكومية والإدارية الرسمية للدولة لكفر وردة أهلها وذلك ما فيه من المفاسد العظيمة والجمة اجتماعيا وإداريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا؛ لأنها تتسبب في الفوضى العارمة والعصيان المدني والتخريب والتدمير وزعزعة استقرار الأفراد والأسر والجماعات والدول وتعطيل مصالح المواطنين.
 
ونشر الخوف بين الناس وانعدام الأمن النفسي والروحي والاجتماعي، أقول: وفي هذه الفتوى الشاذة والمتطرفة ضلال بعيد، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }. [القصص: 50].
 
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا).
 
يقول الشيخ علي بن صالح الغربي السوسي مبينا المضار السياسية والاجتماعية من تكفير الحكام والمحكومين: "وأي ضلالة هي أعظم من الدعوة إلى تكفير أمة بأكملها وسن الخروج على ولاة أمورها وإلحاق جل المسلمين بأهل الشرك والردة، ونعت مجتمعاتهم بالمجتمعات الجاهلية. وليس لهذا الدعي المخذول ببدعته أي نص واحد صحيح صريح يقوي به اعتماده، ويبني عليه عماده فيما ادعاه في مسوداته سوى الكذب والتدليس والتحريف والتلبيس، دليله فيهم المتشابه من القرآن وتحريف التأويل".
 
فتوى التكفير بالمعاصي:
إن أقوال المعتدلين من علماء الأمة أكدوا أن المراد بالتكفير في هذه النصوص إنما هو الكفر العملي لا الكفر الاعتقادي، وأن ترك الواجب وارتكاب المحرم لا يخرج الإنسان من الدين مهما كان ذلك الترك أو ذلك الفعل ما لم يصاحبه اعتقاد الجحود والإنكار، إلا إذا كان المرتكب هو من أعمال الردة المتفق عليها. وعلى هذا خرجوا النصوص الشرعية التي حكمت بالكفر على تارك واجب أو فاعل محرم ما لم يستحله.
 
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت: 224 هجرية) رحمه الله تعالى: "إن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانا، ولا توجب كفرا، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترط عليهم في مواضع من كتابه".
 
وقال الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241 هجربة): "يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحدا بها، فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه".
 
وقال الإمام أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي ( ت: 321 هجرية): "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله". (العقيدة الطحاوية ).
 
وتتعدد أقوال العلماء بخصوص هذا الفهم المشار إليه من خلال نصوصهم كثيرة لا تعد ولا تحصى والمجال هنا لا يتسع لذكرها جميعا، مما يدل على عدم جواز وسم ووصف من ارتكب ذنبا بالكافر الخارج من الملة، ومن شأن فتوى تكفيره إخراج الملايين من المسلمين من الإسلام، وهي فتوى متعنتة متعسفة تفتقد إلى القواعد الشرعية وقواعد الاستنباط والاستنتاج من النصوص الشرعية كما أن لها آثارا سلبية دينية واجتماعية عظيمة على الفرد المسلم كإخراجه من الملة وعدم عصمة دمه ناهيك عن الآثار الشرعية الأخرى المترتبة على هذه الفتوى في مسألة الزواج والإرث وجماعة المسلمين، ولذلك فإن أخذ الحيطة والحذر واجب في الشرع لعدم الانزلاق في تكفير المسلمين كما فعلت الخوارج.

اضافة تعليق