"الكبرياء ردائي والعظمة إزاري".. لماذا نهى الرسول عن الاستعلاء؟

الأحد، 26 نوفمبر 2017 12:00 ص

نازعني: المعنى اتصف بهذه الصفات وتخلق بها .
قذفته: أي رميته من غير مبالاة به .
قصمته: القصم الكسر، وكل شيء كسرته فقد قصمته .
 
*معنى الحديث : 
ورد هذا الحديث في سياق النهي عن الكبر والاستعلاء على الخلق، ومعناه أن العظمة والكبرياء صفتان لله سبحانه، اختص بهما، لا يجوز أن يشاركه فيهما أحد، ولا ينبغي لمخلوق أن يتصف بشيء منهما، وضُرِب الرداء والإزار مثالاً على ذلك، فكما أن الرداء والإزار يلصقان بالإنسان ويلازمانه، ولا يقبل أن يشاركه أحد في ردائه وإزاره، فكذلك الخالق جل وعلا جعل هاتين الصفتين ملازمتين له ومن خصائص ربوبيته وألوهيته، فلا يقبل أن يشاركه فيهما أحد .
 
وإذا كان كذلك فإن كل من تعاظم وتكبر، ودعا الناس إلى تعظيمه وإطرائه والخضوع له، وتعليق القلب به محبة وخوفا ورجاء، فنازع الله في ربوبيته وألوهيته، وهو جدير بأن يهينه الله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه، قال صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال).
 
وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة، لتشبهه بالخالق جل وعلا في مجرد الصنعة، فما الظن بالتشبه به في خصائص الربوبية والألوهية، وقل مثل ذلك فيمن تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كمن تسمى بـ"ملك الملوك" و"حاكم الحكام" ونحو ذلك، وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الأملاك)، فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به فى الاسم الذى لا ينبغي إلا له سبحانه فكيف بمن نازعه صفات ربوبيته وألوهيته .
 
*الكبر ينافي حقيقة العبودية : 
وأول ذنب عُصي الله به هو الكبر، وهو ذنب إبليس حين أبى واستكبر وامتنع عن امتثال أمر الله له بالسجود لآدم، ولذا قال سفيان بن عيينه: "من كانت معصيته في شهوة فارج له التوبة، فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فغُفر له، ومن كانت معصيته من كبر فاخش عليه اللعنة، فإن إبليس عصى مستكبراً فلُعِن"، فالكبر إذاً ينافى حقيقة العبودية والاستسلام لرب العالمين، وذلك لأن حقيقة دين الإسلام الذى أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه هي أن يستسلم العبد لله وينقاد لأمره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر، قال سبحانه:{ سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}، وقال سبحانه: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) .
 
والكبر هو خلق باطن تظهر آثاره على الجوارح، يوجب رؤية النفس والاستعلاء على الغير، وهو بذلك يفارق العجب في أن العجب يتعلق بنفس المعجب ولا يتعلق بغيره، وأما الكبر فمحله الآخرون، بأن يرى الإنسان نفسه بعين الاستعظام فيدعوه ذلك إلى احتقار الآخرين وازدرائهم والتعالي عليهم، وشر أنواعه ما منع من الاستفادة من العلم وقبول الحق والانقياد له، تتيسر معرفة الحق للمتكبر ولكنه لا تطاوعه نفسه على الانقياد له كما قال سبحانه عن فرعون وقومه: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا"، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بأنه بطر الحق: أي رده وجحده، وغمط الناس أي: احتقارهم وازدراؤهم .
 
*من تواضع لله رفعه : 
والصفة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم هي التواضع، تواضع في غير ذلة، ولين في غير ضعف ولا هوان، ووصف الله عباده بأنهم يمشون على الأرض هوناً في سكينة ووقار غير أشرين ولا متكبرين، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) .
 
أسوته في ذلك أشرف الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم، وكانت الأمة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت، وكان إذا أكل لعق أصابعه الثلاث، وكان يكون في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء، وكان كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه، متواضعاً في غير ذلة، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم، وكان يقول: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو بمن تحرم عليه النار، على كل قريب هين سهل)، ويقول: (لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت)، وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، فهذا هو خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عز ولا رفعة في الدنيا والآخرة إلا في الاقتداء به، واتباع هديه، ومن أعظم علامات التواضع الخضوع للحق والانقياد له، وقبوله ممن جاء به.

اضافة تعليق