شعب الإيمان.. إكرام الضيف

السبت، 25 نوفمبر 2017 12:00 ص

من كمال الإيمان إكرام الضيف والجيران، كما ورد عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلُ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ"، متفق عليه، حتى يكتمل إيمان المرء؛ فكمال الإيمان رغب الانسان فيه، وهي صفات طيبة تجعل من يعاملك يتمسك بك؛ لأنك تسمع أكثر مما تتكلم، وتكرمه إذا أضفته، أو ضَيَّف نفسه، ويزيد إكرامك إذا كان جارك.
 
وقص الله في كتابه قصة كرم إبراهيم الخليل عليه السلام، عندما جاءته ملائكة الرحمن بصورة بشرية، ونزلوا عليه ضيوفًا، فما كان منه -عليه السلام- إلا أن أسرع إلى إكرامهم مع عدم معرفته لهم، فقدَّم لهم عجلًا سمينًا مشويًّا مبالغة في إكرامهم، ثم قرَّب الطعامَ إليهم ولم يدعهم إليه؛ ليكون ذلك أدعى في الإكرام، فقال تعالى"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ "(الذاريات: 24 – 27)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان أوَّلَ من أضاف الضيفَ إبراهيمُ"‌.
 
وجب أن يُكرم الضيفَ مدةَ الضيافة التي حدَّدها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بثلاثة أيام؛ أمَّا اليوم الأوَّل فيزيد في برِّه وإكرامه، ثمَّ يكرمه في اليومين الآخرين بما يحضر عنده دون أن يتكلَّف له، فإذا زاد بقاء الضيف وإقامتُه على ثلاثة أيام، فإنْ أكرمه المُضِيف كان ذلك منه بمنزلة الصَّدَقة على الضَّيف، يُؤجر ويُثاب عليها، ولكن لا ينبغي للضيف أن يثقل على مضيفه حتى يحرِجَه ويضيق عليه، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "مَن كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخر فليُكرم ضيفه، جائزته يومٌ وليلة، والضِّيافةُ ثلاثةُ أيامٍ، فما بعد ذلك فهو صدَقة، ولا يحلُّ له أن يثوي عنده حتى يُحرجه".
 
كما تحل البركة في الإكرام، حيث أخبر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ البركة تأتي مع الضَّيف، وأنَّ طعامه لن يضيِّق على أهل البيت رِزقهم، فقال -صلى الله عليه وسلم-"طعامُ الاثنين كافي الثَّلاثة، وطعامُ الثَّلاثة كافي الأربعة"؛ بل إنَّ من أحبِّ الطعام إلى الله تعالى ما تتكاثَر عليه الأيدي ويأكل منه الضيفان، قال -صلى الله عليه وسلم- "إنَّ أحبَّ الطَّعام إلى الله ما كثُرَت عليه الأيدي"، وعندما جاءه عددٌ من أصحابه يَشكون إليه عدم الشبع، قال لهم"فلعلَّكم تَفترقون"، قالوا: نعم، قال: "فاجتمِعوا على طعامكم، واذكُروا اسمَ الله عليه يُبارك لكُم فيه".
 
حثت الشريعة الإسلامية على وضع قواعد أساسية في التعامل مع الضيف وكذلك تعامل الضيف مع رب البيت، ومن بين تلك القواعد؛ أن يكون طلقَ الوجه طيِّب الحديث مع ضيفه، فأكمل إكرامه هو إراحة خاطره وإظهار السرور به، وكذلك أن يعجِّل الضيافة للضيوف، ولا يتأخَّر عليهم، وأن يقدِّم من الطعام قدرَ الكفاية، وأن يكون من أحسن ما عنده، وأيضًا أن لا ينظر إليهم ولا يراقب أكلهم فيستحون؛ بل عليه أن يغضَّ بصره وينشغل بنفسه، وأن لا يمسك عن الطَّعام قبل الضيوف؛ بل عليه أن يحرِّك يده بالطعام حتى ينتهون، وأن يقوم بخدمة ضيوفه بنفسه، وهذا من زيادة الإكرام، وأخيرًا أن لا يرفع الطعامَ قبل الاستيفاء منه، ورفع الأيدي عنه.
 
أراد نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- أن يغرس في نفوس أصحابه والمؤمنين جميعًا خُلق إكرام الضيفان، فكان من أوَّل ما دعاهم إليه بعد دخوله إلى المدينة المنورة إطعام الطعام، فقال -صلى الله عليه وسلم-"يا أيها الناسُ، أفشُوا السَّلام، وأطعِموا الطَّعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنَّةَ بسلامٍ".
 
ونسير على نهج الصحابة -رضوان الله عليهم، حيث أروعَ صور الإكرام؛ من ذلك ما فعله ثابت بن قيس الأنصاري -رضي الله عنه-، عندما جاء رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسُول الله، أصابني الجَهدُ، فأرسل النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إلى نسائه فلم يجِد عندهنَّ شيئًا، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-"ألَا رجُلٌ يُضيِّفُه هذه الليلة يرحمُه الله؟"، فقام رجُلٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيفُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا تدَّخريه شيئًا، قالت: واللهِ ما عندي إلَّا قوتُ الصِّبية، قال: فإذا أراد الصِّبيةُ العشاء فنوِّميهم وتعالي فأطفئي السِّراج، ونطوي بُطوننا الليلة، ففعلَت، ثُمَّ غدا الرَّجُلُ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"لقد عجِب الله عزَّ وجلَّ أو ضَحِك من فُلانٍ وفُلانة"، وأنزل الله عزَّ وجلَّ قولَه "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " (الحشر: 9).

اضافة تعليق