"الجهاد".. مفاهيم وتفسيرات مغلوطة عن غزوات الرسول والآيات القرآنية المشيرة للقتال

السبت، 25 نوفمبر 2017 12:00 ص

فإن قتال الرسول لمشركي قريش كان دوماً بدافع الدفاع عن النفس، أي حماية المسلمين من الإذاية التي يتعرضون لها، والتي كانت تتزايد مرة تلو أخرى حسب تطور مراحل الدعوة الإسلامية وتوسع رقعة المسلمين، لهذا كان يتحاشى الرسول الدخول في صراع مع مشركي قريش ما أمكنه ذلك، لا خوفاً منهم ولا خنوعاً، ولكن ليبين للمسلمين بأن الإسلام جاء ليرسخ حقيقة مفادها "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها"، وقوله تعالى ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، فسوف يعلمون).
 
فالرسول حاول أن يرسخ عقيدة الجهاد بالدعوة أي (الجهاد الأكبر)، بمعنى تقديم النصح والموعظة والجدال بالتي هي أحسن دون قسرٍ أو إجبار ودون أن تشوب معتقد أي من المسلمين شائبة الإكراه "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر، إلا من تولى وكفر فنعذبه العذاب الأكبر".
 
الجهاد.. مغالطات في التأويل والتوظيف : 
 
لابد من تصحيح التصور حول الغزوات من الناحية التاريخية، حيث سيتقرر عند المتأمل في تاريخ غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، أنها لم تكن قتالية إلا في أربعة منها، بينما الغزوات الأخرى والتي بلغت تسعة وعشرين غزوة في مجملها انتهت بصلح أو اندحار الطرف الآخر دون أن يلح الرسول أو يصر على مقاتلتهم، وهو ما يؤكد سلمية الدعوة وقيامها على مبدأ الإقناع والمجادلة بالتي هي أحسن كما سبق لنا تقرير ذلك.
 
ففي موقعة صلح الحديبية التي وقف فيها عمر بن الخطاب موقفاً دفعه للشك في الإسلام حسب قوله، والتي أقر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بمضامين الصلح التي تمنع المسلمين من دخول مكة في تلك السنة، كما تلزمهم بأن يردوا من جاءهم من المشركين، بينما الطرف الآخر غير مجبر على رد من جاءهم من المسلمين، لكن حكمة النبوة ورحمة الرسالة الإسلامية أكدت في المحصلة نجاح الخيار السلمي من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم والذي انتهى بازدياد أعداد المؤمنين.
 
فالدافع الأساسي دائمًا من غزوات الرسول سواء الدفاعية وهي الغالبة، أو الهجومية على قلتها، إنما كان دفع الحرابة أي ما يمكنه أن يتهدد استقرار المسلمين وأمنهم، ومن دخل تحت وصايتهم وفق معاهدات مختلفة، والحرابة ليست حدثا عادياً بل هي خطر بالغ قد يمس أمن المسلمين وحرمتهم الاعتبارية. 
 
فالحرب عند المسلمين من حيث المبدأ ووفق ما قررته الكثير من الآيات القرآنية، إنما هي لحفظ مقاصد الشريعة المتمثلة في جلب المصالح ودفع المفاسد المتوقعة، وليست في علاقة المسلمين بأصحاب الديانات السماوية الأخرى، أو غيرهم من الأقوام المختلفين عنا عرقاً وديناً وجغرافيةً، وإنما الأصل في علاقتنا بهم التعارف وحسن الجوار.
 
فقال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، وقال تعالى: "إن الذين أمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله"، وقال أيضًا: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة).
 
 مفاهيم مغلوطة عن الجهاد : 
 
وفي هذا السياق، قال الدكتور عمرو خالد، الداعية الإسلامي، في مقال سابق له بعنوان "مفاهيم مغلوطة عن الجهاد"، إن الأصل اعتماد الوسائل السلمية فى رد الحقوق حيث تكون الحرب آخر الحلول، يعتقد البعض خطأ أن مفهوم «الجهاد» هو ذلك المحصور فى القتال، وانطلقوا فى فهمهم لهذا المعنى بآيات من القرآن «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ»، «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ»، لكن الاستدلال بجزء من الآية هو خطأ كبير وظلم للقرآن، إذ لابد من تفسيره جملة واحدة قبل إطلاق الأحكام وتعميمها، لأن تجزئته تشوه أهدافه، فينتج عن ذلك الأفكار المتطرفة.
 
وأضاف، أن الجهاد هو بذل الجهد فى كل عمل لله، وانطلاقًا من هذا المفهوم، فالعمل جهاد، والسعى على الرزق جهاد، وإطعام الأولاد وتربيتهم جهاد، وطلب العلم جهاد، وكل عمل كان لله خالصًا من القلب جهاد، وكل من يخرج بنية العمل فهو فى سبيل الله. أما القتال فلا يأتى فى القرآن إلا عن معركة عادله بين جيشين «وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا»، والمقصود هنا القرآن وليس السلاح. 
 
وتابع، أنه هكذا جاهد الصحابة: عن ابن أبى ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: مر على النبى صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله من جلده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله: لو كان هذا فى سبيل الله؟، فقال رسول الله: «إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو فى سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو فى سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه يعفها فهو فى سبيل الله، وإن كان خرج رياء ومفاخرة فهو فى سبيل الشيطان».  
 
وأشار إلى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان يقدم درجة الكسب على درجة الجهاد، فيقول: «لأن أموت بين شعبتى رحلى أضرب الأرض أبتغى من فضل الله أحب إلىَّ من أن أقتل مجاهدًا فى سبيل الله» لأن الله تعالى قدم الذين يضربون فى الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين، بقوله تعالى: «وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ». وعلى ضوء هذا يتضح المنهج الإسلامى المرسوم لأتباعه بأنه يحثهم على توزيع قواهم بين العمل للدنيا بحيث لا يتركون فراغًا فى دنياهم، والعمل للدين بحيث لا يهملون مبادئ دينهم، وبذلك يكونون قد استجابوا لله: «وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ»، إنه دين التوازن والوسطية والاعتدال، دنيا وآخرة، عمل وعبادة، متجر ومسجد.
 
وقال، إن الفهم المتطرف للجهاد: التنظيمات المتطرفة تنطلق فى رؤيتها إلى مفهوم الجهاد من مجموعة آيات تتكلم عن القتال دون قراءة النصوص القرآنية كلها كوحدة بنائية واحدة، كما يتضح على النحو التالى: فالقتال فى الإسلام لا يكون إلا لرد الاعتداء: «وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ»، فالله تعالى قيد القتال هنا بقيد شديد هو الاعتداء، ثم وضع شرطًا دقيقًا فى قوله: «فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»، أى أن الاعتداء يكون على ذات المعتدى وليس غيره، فإذا انتقمت أو قتلت أخاه أو أباه يكون دمه فى رقبتك يوم القيامة «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى». والشرط الثانى للقتال: وقوع ظلم «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا»، وهذه هى القاعدة الذهبية التى يجب التعامل وفقها. 
 
وأوضح، أن الأصل اعتماد الوسائل السلمية فى رد الحقوق، حيث تكون الحرب آخر الحلول، لأن السلم فى الإسلام هو الأصل والحرب هى الاستثناء.. «ادْخُلُوا فِى السِّلْمِ كَافَّةً»، «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين» فإذا لم تفلح الوسائل السلمية كانت الحرب لرد الاعتداء فى معركة عادلة بين جيشين، وهنا مثل أى دولة تدخل حربا يأتى الأمر بل التحريض على القتال العادل «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ» «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ».  
 
ولفت إلى أن الفتوحات الإسلامية: فى النظر إلى الفتوحات الإسلامية نجد أنها كانت فى أصلها لمواجهة خطر يحيط بالدولة الإسلامية الوليدة وقتها ليقضى عليها، وكان ذلك فى عهد النبى، حتى إنه عمر نفسه أيام النبى لما جاء أحدهم ليناديه وهو نائم قال: أهاجمتنا الروم؟، والنبى وهو فى سكرات الموت يقول: «أنفذوا جيش أسامة»، لأنهم كانوا يستعدون لمهاجمة المدينة.. كان هناك تهديد عسكرى يحيط بالدولة وقتها. والفرس والروم لم يكونوا أصحاب البلاد فى مصر والعراق والشام، بل كانوا محتلين ظالمين، والمسلمون لم يحاربوا أهل البلاد، بل حاربوا المحتل ورفعوا الظلم عن أهلها ثم قالوا لهم: «لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ». 
 
والقرآن حدد شكل العلاقة مع الآخر فى قوله: «لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ».

اضافة تعليق