"مَن حمل علينا السلاح فليس منا".. حرمانية قتل النفس في الإسلام

السبت، 25 نوفمبر 2017 12:00 ص

حرصت الشريعة الإسلامية على توجيه سلوك الإنسان وأخلاقه، وحماية حياته من اي اعتداء، وتكفل عزته وكرامته، حيث جعل الاسلام للنفس الإنسانية مكانة محترمة؛ فمدح في كتابه الكريم إحياء النفس وذم قتلها فقال تعالى"مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا". 
 
بُعث النبي -صلى الله علیه وسلم- وھو یؤسس للامة الإسلامية قواعد حقوق الإنسان فى الإسلام، كذلك يتبين في قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- أثناء خطبته في حجة الوداع، حيث ورد عن ابن عباس -رضي الله عنھما، أن رسول الله -صلى الله علیه وسلم- خطب الناس یوم النحر فقال : " یا أیھا الناس أي یوم ھذا ؟ " ، قالوا : یوم حرام ، قال : " فأي بلد ھذا ؟ " ، قالوا : بلد حرام ، قال: "فأي شھر ھذا؟"، قالوا: شھر حرام"، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم علیكم حرام، كحرمة یومكم ھذا ، في بلدكم ھذا ، في شھركم ھذا "، فأعادھا مرارًا، ثم رفع رأسه؛ فقال : " اللھم ھل بلغت ، اللھم ھل بلغت - قال ابن عباس -رضي الله عنھما- : فو الذي نفسي بیده ، إنھا لوصیته إلى أمته ، فلیبلغ الشاھد الغائب ، لا ترجعوا بعدي كفارًا ، یضرب بعضكم رقاب بعض"، وكذلك في آيات الذكر الحكيم "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" (سورة النساء ـ الآية 93). 
 
وبذلك يُعد الأمن ضرورة من ضرورات الحياة، قد تفوق ضرورة الغذاء والكساء، ويُعتبر الأمان في حقيقته ومعناه لا يكون إلا مع الإيمان، ويتوضح في قول الله تعالى "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" (الأنعام 82)، ومن دخل في الإسلام فقد دخل في دائرة الأمن والأمان، قال عليه الصلاة والسلام: "من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله – عز وجل".
 
جاء الإسلام برحمة للإنسان، كما أنه خالف الاعتداء على دور العبادة وقتل من فيها؛ فيُعد هذا فساد في الأرض، كما أمرت الشريعة الإسلامية بالمحافظة على الضرورات الخمس التي أجمعت كل الملل على وجوب المحافظة عليها، وهي: الدين، والنفوس، والعقول، والأعراض، والأموال، فالأصل في الدماء أنها معصومة، والأصل في النفوس أنها محفوظة مُكرَّمة، وإن قتل نفس بريئة واحدة كقتل الناس جميعًا، وقال سعيد بن جبير: مَن استحل دم مسلم فكأنما استحل دماء الناس جميعاً، ومن حرَّم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعاً، وقال صلى الله عليه وسلم" أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" رواه البخاري ومسلم.
 
يُظن هؤلاء الإرهابين أن هذه الأعمال العدوانية أنها أعمال جهادية، فالجهاد في الإسلام قد شُرع لرفع الطغيان ودفع العدوان"وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (البقرة:190)، والإسلام الحنيف قد كفل للجميع مسلمين وغير مسلمين الحرية في ممارسة شعائرهم، واحترام المقدسات ودور العبادة؛ فهو برئ من كل اعتداء ينسب إليه زورًا وبهتانًا، ويجب على الجميع أن يعلم أن كل هذه الأحداث الإرهابية لا تريد إلا الخراب والدمار وإشعال الفتنة بين الناس؛ لذلك يجب علينا جميعًا أن نقف صفًا واحدًا في التصدي بكل قوة لهؤلاء البغاة.
 
وروى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" مَن حمل علينا السلاح فليس منا" رواه البخاري ومسلم، وكما ورد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-" لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة" رواه البخاري ومسلم.
 
كما حرم الإسلام الاعتداء على المدنيين والآمنين بالسب أو بالضرب أو بالقتل أو بكل نوع من أنواع الإيذاء والترويع؛ ففي حديث مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال"من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه"، لأن ترويع المسلم حرام بكل حال، ولأنه قد يسبقه السلاح، وفي سنن أبي داود قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا". 
 
هذا في مجرد الإشارة والترويع، أما من يقتل أخاه ويسفك دمه ويهتك حرمته ويفزعه في بيته إن الذي يفعل هذه الأفعال يحارب الله ورسوله ويفسد في الأرض ويستحق عقاب البغاة في الدنيا والعذاب في الآخرة، "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " )(المائدة:33). 
 
ومن يحمل علينا السلاح بقصد التخويف أو القتل أو إدخال الرعب علينا فليس متبعًا لطريقتنا أو سنتنا كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال"من حمل علينا السلاح فليس منا"، متفق عليه؛ فقدسية دم الإنسان أعظم من قدسية الكعبة، مما روى أن نظر ابن عمر إلى الكعبة حيث الجمال والجلال والكمال والهيبة والحرمة فقال: ما أعظمك وما أشد حرمتك، ووالله للمسلم أشد حرمة عند الله منك، وحيث قال ابن عمر: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله. رواه البخاري.

اضافة تعليق