الاحتفال بمولد النبي.. لماذا يحرمه علينا هؤلاء؟

الخميس، 23 نوفمبر 2017 12:00 ص

و يسير الاحتفال بـ مولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- جدالًا وتساؤلًا بين المسلمين، بحيث هناك أناس يرون أن الإحتفال بها إلى حد تقديسها ما هي إلا بدعة، أما الفريق الأخر ينظر على هذا الإحتفال بعين الشكر على نعمة الإسلام ورسوله، وكما في آيات الذكر الحكيم " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ"، وكذلك يتبين أدلة كل من الفريقين التي يستند إليها.
 
قدم البعض من علماء المسلمين أدلة تُثبت ببدعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وحيث أفتى الإمام الشاطبي بعدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي، ويستند في ذلك الحكم إلى مجموعة من الأدلة أن الاحتفال بالمولد لا أصل له في الكتاب والسنة، ولم يقمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا الصحابة؛ الدليل على انها بدعة يتوضح في اجتماع على أعمال يُقصد بها التقرب إلى الله ، والله لا يُتقرب إليه إلا بما شرع، ويستندوا إلى قول المولى -عز وجل- " أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ". 
 
ويرون أن الفرح بهذا وإظهار السرور، فيه قدح في محبة العبد لنبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم-، ويقول ابن الحاج"ثم العجب العجيب كيف يعملون المولد للمغاني والفرح والسرور لأجل مولده -عليه الصلاة والسلام، وكما أن الاحتفال بالمولد هو من الغلو في الدين، إذ يرفع بعض المحتفلون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مرتبة الألوهية.
 
وكذلك قال الإمام الشاطبي في فتوى له "إنَّ السلف الصالح لم يفعلوا في ليلة المولد شيئاً زائداً على ما يفعلون في سائر الليالي ، لأنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنمَّا يُعظَّم بالوجه الذي شُرع في تعظيمه، وهم قد اختلفوا في تعيين ليلة ولادته ، ولو شُرعت فيها عبادة لعيَّنها الصحابة وحقَّقوا".
 
ويأتي الرأي الأخر أدلة و ردود مجيزي الاحتفال بالمولد النبوي، حيث أجاز جمهور من أكابر العلماء الاحتفال بذكرى المولد النبوي، وكما صرحت دار الإفتاء المصرية، ويستدلوا أن ترك النبي لا يدل على التحريم؛ فإنه من المعلوم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يفعل جميع المندوبات والمباحات، لذلك تحريم كل ما تركه لا يعد مقبولًا، حيث لا يحق لأحد أن يحرم على نفسه أو على غيره إلا بدليل صحيح واضح، وإلا فهو معتد ومبتدع ومتنطع. 
 
جاء قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"، وهذا دليل على أن ما تركه النبي ولم يفعله يبقى على أصله؛ وهو الإباحة؛ ولو قلنا بحرمة كل متروكات النبي لضيقنا دائرة الإباحة ووسعنا دائرة التحريم، وهذا عين المشقة ورأس الحرج الذي نفاهما الله عن هذا الدين القائم على التيسير.
 
ولا يصح الاستدلال بعدم احتفال الصحابة -رضي الله عنهم- بالمولد النبوي على عدم جواز ذلك، لأنهم عاشوا تلك الأحداث بالفعل، وقد أمر الله بما في هذه الآية "وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ" 
 
أما الزعم أنها بدعة محدثة وضلالة؛ فالعلم قائم أن البدعة هو إحداث أمر في الدين لا أصل له في الشرع، أو التعبد لله بغير الطريقة النبوية، وليس في إقامة المولد شيء من هذا، قال الحافظ السيوطي"هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف". 
 
والصحيح أن تسمى سنة حسنة لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء"، حيث سن الصحابة والخلفاء الراشدون من الأعمال ما لا خلاف حولها كصلاة تراويح رمضان. 
 
وتعارف الناسُ واعتادوا على أكل وشراء أنواعٍ من الحَلوى التي تنسب إلي يوم مولدِهِ ابتهاجًا وفرحةً ومسرَّةً بذلك، وكلُّ ذلك فضلٌ وخير، والله تعالى يقول "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ…"؛ فيُعد الاحتفال نوع من أنواع العادات والأعراف التي يخترعها النّاس، ثمّ يأتي الشّرع بإباحتها إذا لم يكن فيها حرام، أو بمنعها إذا اشتملت على محرّمات، كما قال المولى -عز وجل- " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ". 
 
ويُعتبرمولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- يومٌ من أيام الله -عز وجلّ- كما كانت لبني إسرائيل أيامٌ نجَّاهم اللهُ تعالى فيها من ظلمِ فرعونَ واستكبارِه، وأمر نبيَّ الله موسي -عليه السلام- أن يذكِّرهم بها فقال تعالى"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَي بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَي النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ"، كذلك من أيام الله تعالى على أهل الأرض مولدُ النبي -صلى الله عليه وسلم -الذي دفع الله به عن أهل الأرض ظلماتِ الغيِّ والبغيِ والضلالة.
 
وقد سنَّ لنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه جنسَ الشكر لله تعالى على ميلاده الشريف؛ فقد صحَّ أنه كان يصوم يوم الاثنين، فلما سُئل عن ذلك قال"ذلك يومٌ وُلِدتُ فيه"، وإذا ثبت ذلك وعُلم فمن الجائز للمسلم -بل من المندوبات له- ألا يمرَّ مولدُه من غير البهجة والسرور والفرح به -صلى الله عليه وسلم-، وإعلانِ ذلك، واتخاذِ ذلك عُنوانًا وشعارًا. 
 
قال السخاوي رحمه الله: ثم ما زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده صلي الله عليه وسلم وشرف وكرم يعملون الولائم البديعة المشتملة علي الأمور البهجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات بل يعتنون بقراءة مولده الكريم وتظهر عليهم من بركات كل فضل عميم. (الأجوبة المرضية:3/1116).
 

اضافة تعليق