الإسلام ومنهجه العملي في تنظيم العلاقات الاجتماعية والإنسانية

الخميس، 23 نوفمبر 2017 12:00 ص

والإنسان مستخلف في الأرض بخلق الله –سبحانه وتعالى– من أجل هذه النعمة والحصول عليها بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾، وهو آدم أبو البشر وذريته من البشر من بعده، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
 
• والشق الأول من مفهوم الإسلام: هو في جانب العقيدة، وهو الإيمان بالله عن يقين كامل لا يتزعزع، والإقرار بوجود الله وحده لا شريك له، وبصفاته الكمالية التي تليق به، وبأنه المُنزه عن كل صفات البشر وجميع خلقه، وأنه صاحب الملك والملكوت ومصدر هذه الحياة الدنيا، وأنه المعبود وحده بلا شريك من خلقه، ولو كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا، وهذا الإيمان بالله على الوجه الإسلامي يوجب الإيمان الشامل بأركانه العقيدية الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وذلك لقوله تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ﴾( ).
 
ولحديث النبي –صلى الله عليه وسلم– في الإيمان كما في الصحيحين، أن جبريل –عليه السلام– بين أركان الإيمان الست ولا إكراه في الإسلام على هذه العقيدة الإيمانية بحال من الأحوال.
 
• وأما الشق الثاني من الإسلام بعمومه: فهو المتعلق بالجانب العملي والقانون التشريعي التطبيقي، الذي ينظم للناس والحياة الإنسانية والبشرية جميعًا، علاقتهم الاجتماعية ومعيشتهم الدينية في هذه الحياة ومعاملاتهم المدنية مع أنفسهم، ومع جميع بني جنسهم محليًّا وعالميًّا، وعباداتهم الدينية مع الله في الصحة والمرض والحل والترحال والسلم والحرب، وذلك بما يناسب العباد والبلاد في كل زمان وفي كل مكان.
 
ولا إكراه في الإسلام على عقيدته الدينية والالتزام بها في ديار الإسلام والمسلمين، ولا على شريعته في غير ديار الإسلام، وذلك لقوله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ﴾.
 
هذا ومنهج الإسلام مع المسلم في وظيفته الاجتماعية وشؤونه الدينية وحياته المعيشية مع بني جنسه ومجتمعاته الإسلامية، إنما يقوم في ظل إسلامه وإطار عقيدته الإسلامية وشريعته الإسلامية التي تحكمه، ويحتكم هو وجميع المسلمين إليها على المثالية الكاملة في المعاملة بين الإنسان بصفته الإنسانية وأخيه الإنسان على جهة العموم، والإنسان المسلم وأخيه الإنسان على جهة الخصوص؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾( )، وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾.
 
وقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡ‍َٔهُۥ فَ‍َٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾( ).
 
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديثة الصحيح: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه))( ) متفق عليه، وفي رواية: ((المسلم من سلم الناس من لسانه ويده))( )، وقوله –صلى الله عليه وسلم-: ((مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)متفق عليه.
 
هذا ومنهج الإسلام عقيدة وشريعة في تنظيمه للعلاقات الاجتماعية وتحقيق الأمن الاجتماعي والسلام الإقليمي والعالمي للبشرية جميعًا بينهم، يوجب بأن يكون الفرد المسلم الذي يؤمن بالإسلام وينتسب إليه عقيدة وشريعة ملتزمًا به كذلك ديانة وقضاء، فيجعل قواعد هذا الإسلام ونظمه وقوانينه واقعًا يتحرك في الأرض بين الناس جميعًا، وعدلًا ملموسًا يحس به كل أفراد المجتمع الإنساني، فيحقق لهم جميعًا سعادتهم المادية والروحية التي يبتغونها وينشدونها في هذه الحياة، تمهيدًا لسعادتهم الدائمة في الحياة الآخرة التي هي عقيدة مستقرة في يقين المسلمين.
 
هذا وإن تعادل الروح مع المادة لكل مسلم يؤمن بالإسلام عقيدة وشريعة، ويلتزم بكل أحكامه الدينية والدنيوية تعادلًا وسطًا بلا إفراط ولا تفريط، بحيث يعمل المسلم لدينه كأنه يموت غدًا، ويعمل لدنياه كأنه يعيش أبدًا، كما جاء في حديث النبي –صلى الله عليه وسلم– في الحديث الصحيح، فهو أمر جوهري للإنسان المسلم حتى يمكن أن يشعر هذا الإنسان بالسعادتين معًا في هذه الدنيا، السعادة الروحية التي تربطه بدينه، والسعادة المادية التي تربطه بدنياه.
 
ومفهوم هذا التعادل مع الإنسان المسلم في نظر الإسلام هو أن يشعر الإنسان ببشريته وآدميته الإنسانية بمقدار إحساسه بانتسابه إلى الله سبحانه وتعالى، فيكون بذلك هذا الإنسان الذي يمشي على الأرض بشرًا سويًّا سلامًا مع ذاته ونفسه، وسلامًا مع جميع بني جنسه في كل زمان وفي كل مكان، وبذلك تكون مهمة المسلم ووظيفته الاجتماعية هي تحقيق الأمن الاجتماعي والسلام العالمي لكل بني الإنسان، مع اختلاف الألسنة والأجناس والألوان، كما أمر الإسلام الذي هو دين الله في الأرض لجميع العباد والآنام.
 
والإسلام بهذه الحقيقة وهذا المفهوم العام –الذي سبق بيانه– لا يختلف من دين سماوي إلى دين سماوي آخر نزل على رسول أو نبي؛ لأن الهدف واحد، والغاية واحدة في جميع الأديان السماوية، الهدف هو إسعاد البشرية جميعًا والإنسانية بين عباد الله وخلقه، والغاية هي تحقيق الربوبية والإقرار بها خالصة للذات الإلهية، الله: الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، الذي ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾.
 
هذا ومن المعلوم بيقين في الدين الإسلامي، وفي عقيدة المسلمين أن الرسل والأنبياء جميعًا –عليهم الصلاة والسلام– من آدم إلى محمد بن عبد الله خاتمهم –عليه الصلاة والسلام-، فصول متتابعة وسلسلة مترابطة في سبيل نشر راية الدين الإسلامي السماوي بعمومه وخصوصه، مع جميع رسل الله وأنبيائه، وذلك لإبراز كيان هذا الإسلام العظيم، الذي اكتمل تمام بنائه التشريعي والديني على يد خاتم الرسل والأنبياء محمد بن عبد الله –عليه الصلاة والسلام-، هذا والأنبياء والرسل في رسالتهم الإسلامية للبشر لم يختلفوا فيما بينهم في حمل رسالة الإسلام وتبليغها للعباد المكلفين في زمانهم، إلا في الوسيلة التي توصل الناس إلى هذه الغاية السامية، وهي عبادة الله وحده وسلامهم الاجتماعي، حسب الزمان والمكان، وتطوير البيئات الاجتماعية والحضارية للإنسان، ومدارك عقولهم البشرية، وذلك تصديقًا لقوله تعالى لخاتم الرسل والأنبياء محمد بن عبد الله –صلى الله عليه وسلم- ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ﴾.
 
والدين عند الله دائمًا هو الإسلام، كما أخبرنا بذلك سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾( )، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ".
 
هذا ولم يختلف الإسلام بهذا المفهوم العام كدين نزل على محمد –صلى الله عليه وسلم– عن الأديان السماوية السابقة من جهة الوسيلة إلا من حيث كونه قد اكتملت جميع حلقاته وفصوله التشريعية الدينية والدنيوية على يد هذا النبي العظيم محمد بن عبد الله الهادي الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين، فأصبح بذلك الإسلام بدينه الإسلامي وشريعته السماوية الخاتمة هو خاتم الأديان والرسالات السماوية، وتحقق بذلك أيضًا اكتمال الوسيلة والغاية، وتعادلت مع هذا الدين الإسلامي الحنيف الخاتم الروح والمادة تعادلًا وسطًا لا إفراط فيه ولا تفريط.
 
وفي شأن كمال الإسلام وتمامه عقيدة وشريعة على يد خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – نزل في كتابه الكريم قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾، وهذا ما مُيز الإسلام بخصوصه كدين سماوي خاتم لكل الشرائع الإلهية والرسالات السماوية السابقة، من حيث التعاليم والتشريعات الدينية والدنيوية التي نزلت على النبي محمد –صلى الله عليه وسلم– عن تعاليم الرسالات السماوية السابقة.

اضافة تعليق