مي عماد.. فنانة مصرية ترسم للمكفوفين

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017 12:00 ص

وبدأت علاقة عماد بعالم فاقدي البصر منذ أن كانت طالبة في الفنون الجميلة كما تقول، حينها كانت تعمل في مشروع عن متحدي الإعاقة، والتقت أثناء ذلك بإحدى الحالات المؤثرة التي تركت في نفسها أثرا كبيرا، وهي حالة طفل في الثانية عشرة من عمره اسمه محمد. كان محمد مصابا بحالة نادرة من الإعاقة المركبة، فهو خلافا لفقده البصر لديه إعاقة ذهنية وحركية وإعاقة سمعية ولا يستطيع النطق.
 
وقالت إنها حين اقتربت من محمد شعرت بمدى حاجته للتعبير عن نفسه، فهو فاقد لأي وسيلة للتواصل مع العالم، ففكرت في تدريبه على الإمساك بالأقلام الملوّنة، وبقليل من التدريب بدأ محمد يخطط أشكالا على الورق وهو في قمة السعادة، وكأنه يريد أن يثبت وجوده للعالم من حوله. من هنا بدأ إصرار الفنانة على اكتشاف هذا العالم وسعيها لمساعدة فاقدي البصر على تذوق أو إدراك ما لا يستطيعون رؤيته.
 
وأضافت الفنانة أن “اللوحة لها أكثر من منظور، فبخلاف الأشكال يوجد بها اللون والملمس والكتلة، ومن خلال قدرة الكفيف على استخدام حاسة اللمس بمهارة يمكن أن نطوّع تلك الأشكال بأنماط معيّنة لتتناسب مع هذه القدرة بأن نعتمد، على سبيل المثال، في تكوين اللوحة على الملمس والمساحات اللونية القوية والمتفاوتة الدرجة”.
 
وتابعت “لا بد هنا أن نشير إلى حقيقة قد لا يعرفها الكثيرون، إذ أن الغالبية العظمى من فاقدي البصر يملكون قدرا بسيطا ومتفاوتا من الرؤية يستطيعون من خلاله إدراك الظلال والتكوينات اللونية. وبكل أسف فإن هذا القدر البسيط من الرؤية يتراجع ويضمر مع الوقت لأنه لا يُستغل، ولكن يمكننا العمل عن طريق الفن على استغلال تلك القدرة البسيطة لديهم. أما عن فاقد القدرة على الرؤية تماما فيمكن أن ننتج له صورا ورموزا تعتمد على حاسة اللمس وحدها، وهو ما عملت على تحقيقه بالفعل ونجح في حالات كثيرة استطاعت إدراك ما تشير إليه هذه الصور البارزة والمصنوعة بأسلوب مخصوص ونمط معين يراعي طريقة إدراك غير المبصر للعالم”.
 
ويعتمد مشروع عماد في الأساس على إدخال الرسوم البارزة في الكتب المخصّصة لفاقدي البصر من بداية المرحلة التمهيدية وحتى الجامعة، لكي يكونوا عنصرا فعّالا ومنتجا في المجتمع، وقد طبقت الفنانة ذلك الأمر بأكثر من تقنية وخامة مختلفة، وعرضته على الكثير من المسؤولين والمهتمين بذوي الإعاقة البصرية غير أنها لم تجد كما تقول أي استجابة تذكر غير الترحيب بالفكرة والتصفيق لها.
 
ولم تقف الفنانة الشابة مكتوفة الأيدي، بل قررت أن تخوض التجربة منفردة ودون مساندة من أحد، فكثفت من نشاطها في زيارة العديد من دور رعاية المكفوفين، ونظمت الكثير من الورش والمعارض الفردية التي اعتمدت فيها على إنتاج لوحات تراعي تلك الحالات، وكانت النتيجة موفقة إلى حد كبير.
 
وأوضحت عماد “لقد أدهشتني قدرة المكفوفين على التعرف على العناصر المرسومة حين بدأوا يلمسون اللوحات، وأسعدني أنهم اكتشفوا من خلالها الكثير من الأشياء التي كانوا يجهلونها. لقد كانوا من قبل لا يدركون أشياء كثيرة وبسيطة في الواقع، رغم المحاولات التقليدية السابقة في توظيف المجسّمات، فالرسم يوفر عليهم الكثير من الوقت، كما يمكن طباعته أيضا ليكون مادة مصاحبة للكتابة بطريقة برايل”.
 
وترى أن فاقد البصر له طريقته في فهم العالم من حوله، فليس من الضروري أن يستوعب اللوحة أو يفهمها كما نفهمها نحن، وهو ما يتسق مع طبيعة العمل الفني كعمل إبداعي متعدّد الرؤى والقراءات، ويمكننا أن نعتبر أن رؤية فاقد البصر للعمل الفني عن طريق اللمس هي إحدى هذه القراءات. وخلافا للجانب الفني يمكن أيضا توظيف تلك الطريقة كوسيلة تعليمية عن طريق تبسيط الرموز بحيث تكون مناسبة لإدراكه.

اضافة تعليق