الإمام مصطفى عبد الرازق.. الشيخ السادس والثلاثون للجامع الأزهر

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017 12:00 ص

نشأته وتعليمه 
 
نشأ في قرية أبو جرج بمحافظة المنيا، قضى طفولته في قريته، وتعلم بها مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم وعمره ما بين العاشرة والحادية عشرة ثم انتقل وهو في سن العاشرة إلى القاهرة، والتحق بالأزهر ليُحَصِّل العلوم الشرعية واللغوية، فدرس الفقه الشافعي، البلاغة والمنطق والأدب والعروض، والتفسير، والحديث، والتوحيد، والتصوف، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والنحو، والصرف، والعروض، والمعاني والبيان، والبديع والأدب، والتاريخ، والسيرة النبوية، على يد كبار مشايخ عصره ودرس على يد كبار علمائه. 
 
وواصل دراسته في الأزهر الشريف بتشجيع من والده الذي كان يتدارس معه العلوم أثناء الإجازات الدراسية،كتب الآداب ودواوين من الشعر، ونمت موهبته وثقافاته فقرر أنشأ صحيفةً عائلية مع إخوته وأقاربه، ثم أنشأ "جمعية غرس الفضائل" مع شباب أسرته ايضا، وكانوا يتناوبون فيها الخطابة في مساء الجمعة من كل أسبوع، وكان هو أمين سر الجمعية، واستمرت هذه الجمعية من عام 1900 إلى عام 1905م ومع ظهور الصحف العامة بدأ في نشر مقالاته الأدبية والقصائد بها، ثم انصرف عن الشعر إلى الدراسات الأدبية، وبدأ في التردد على دروس «الإمام محمد عبده» في عام ١٩٠٣م في الرواق العباسي الذي يعد من شيوخه الأوائل، فأصبح من خواص تلاميذه، وتأثر به وبمنهجه وأفكاره الإصلاحية.
 
وكان الشيخ الإمام محمد عبده م يباشر وقتها الدعوة الاجتماعية، ويقود الحركة الإصلاحية، فلقي استجابة عامة من المثقفين، والأزهريين ونقدًا من بعض علماء الأزهر. 
 
ثم تخصص الإمام مصطفى عبد الرازق خلال دراسته بالأزهر في الفلسفة، ثم حصل على شهادة العالمية سنة عام 1326هـ ١٩٠٨م، ولم ينل هذه الدرجة إلا واحد أو اثنان من المتقدمين للامتحان معه، وكان عددهم كبيرًا، وأصبح عضو بالجمعية الأزهرية التي أنشأها محمد عبده، وأصبح رئيسًا لها. وبعد شهرين من نجاحه انتدب للتدريس بمدرسة القضاء الشرعي، في ذاك الوقت كان الأزهر يموج بالثورة مطالبًا بإصلاح مناهجه، وتكونت (جمعية تضامن العلماء) وكان في مقدمة أعضائها، وأسس أيضًا الجمعية الأزهرية وانتخب رئيسًا لها، ومارست نشاطها بجد وإتقان، ثم عين موظفا في المجلس الأعلى للأزهر ومفتشاً بالمحاكم الشرعية وسافر إلى فرنسا في عام 1909م لدراسة اللغة الفرنسية والفلسفة في جامعة السربون، وحضر دروس (دور كايم) في علم الاجتماع، كما درس الأدب وتاريخ الفلسفة والأدب الفرنسي، ثم انتدب ليتولى تدريس اللغة العربية في كلية (ليون) ودرس بها أصول الشريعة الإسلامية على يد أستاذه «إدوارد لامبير» ثم أعدَّ رسالة الدكتوراة عن الإمام الشافعي تحت عنوان "الإمام الشافعي أكبر مشرعي الإسلام"، وتعاون مع برنارد مشيل في ترجمة كتاب العقيدة الإسلامية إلى اللغة الفرنسية ورسالة التوحيد" للإمام محمد عبده. 
 
وعندما قامت الحرب العالمية الأولى عام 1914م عاد مع كثير من زملائه إلى مصر، وفي سنة 1915 عُيِّنَ سكرتيرا بجامعة الأزهر، بأمرٍ من السلطان حسين كامل وترجم خلال تلك الفترة كتاب (طيف خيل ملكي) للأميرة قدرية بنت السلطان حسين كامل إلى العربية، وأثناء عمله بالمجلس الأعلى للأزهر أصبح بيته منتدى يؤمه رجال الفكر والثقافة وعلماء الدين، يتباحثون في شتى العلوم ثم سكرتيرا عاما للمجلس الأعلى للأزهر ثم رئيس للمجلس ثم قدم استقالته منه بعد إبعاده من الأزهر خوفا من أفكاره السياسية والاجتماعية، بسبب مواقفه السياسية المناصرة للحركة الوطنية التي كان يقودها آنذاك سعد زغلول فعين مفتشًا بالمحاكم الشرعية كإجراء تأديبي، لكنه استثمر هذه الفترة في الكتابة والبحث والترجمة، والمعرفة، فكان يعقد الندوات في بيته ويتوافد عليه أهل العلم والثقافة والفقه والفلسفة من كل مكان. 
 
في سنة 1916م انتخب عضوًا في (الجمعية الخيرية الإسلامية)، ثم وكيلا لها سنة 1920م، ثم رئيسًا لها سنة 1946م حتى وفاته، وانضم إلى حزب (الأحرار الدستوريين) خلال تلك الفترة وفي عام 1346هـ- 1927م عين أستاذًا مساعدًا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا)، واختير أستاذًا للفلسفة دون بجامعة القاهرة سنة 1935م، ونال رتبة الباكوية سنة 1937م، ثم أصبح أستاذ كرسي في الفلسفة، وتولى الشيخ مصطفى عبد الرازق وزارة الأوقاف ثماني مرات، وكان أول أزهري يتولاها، وظل متمسكًا بارتدائه الزي الأزهري حتى وفاته وكانت الأولى في عام 1938م حتى 1942م، وأثناء عمله وزيرًا عُيِّنَ عضوًا بالمجمع اللغوي سنة 1940م، وفي سنة 1941م نال رتبة الباشوية، وتنازل عنها عندما تولى مشيخة الأزهر وظل وزيرًا للأوقاف حتى تم تعيينه شيخا للأزهر عام 1945م وتم اختياره أميرًا للحج في أكتوبر سنة 1946م، ولبث في رحلته 40 يوما ثم عاد ليتفرغ لاستئناف وجوه الإصلاح في الأزهر وفي 15 فبراير سنة 1947م حضر إلى مكتبه بالأزهر فرأس جلسة المجلس الأعلى للأزهر ثم عاد إلى بيته فتناول طعامه، ونام قليلًا ثم استيقظ فتوضَّأ وصلى، ثم شعر بإعياءٍ شديدٍ، فتم استدعاء الطبيب ولكنه توفى في : 24 ربيع الأول 1366هـ - 15 فبراير 1947م.
 
فترة ولايته 
 
تولى الشيخ مصطفى عبد الرازق مشيخة الأزهر لمدة تقارب عامًا وشهرين من محرم 1365هـ ديسمبر 1945 حتى وفاته في 24 ربيع الأول 1366هـ - 15 فبراير 1947م وقاوم كبار العلماء بالأزهر تعيينه؛ لأنه كان من المعهود دائمًا أن يكون شيخ الأزهر من جماعة كبار العلماء، ولا يُعيَّنُ بهيئة كبار العلماء إلا من تولى وظائف معينة في القضاء الشرعي، أو درَّسَ بالأزهر مدة معينة، ولم يكن الشيخ كذلك، فلم يعترف كبار العلماء بتدريسه بالجامعة المصرية، فقامت الحكومة بإصدار قانونٍ جديدٍ ينص على أن يكون التدريس بالجامعة المصرية مساويًا للتدريس في الكليات الأزهرية، في الترشيح لمشيخة الأزهر، فوافق معظم علماء الأزهر إلا قليلا منهم، عمل على إدخال بعض الإصلاحات إليه، فأدخل اللغات الأجنبية، وأرسل البعثات إلى الخارج.
 
مؤلفاته
 
 كان للشيخ مصطفى عبد الرازق العديد من المؤلفات حيث كان مفكرًا وأديبا، وعالم بأصول الدين والفقه الإسلامي واعتبر مجددا للفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول تاريخ لها بالعربية، ومؤسس المدرسة الفلسفية العربية التي أقامها على الإسلام ولذلك فله العديد من المؤلفات في الفقه والحديث والتفسير والفلسفة والاجتماع، وفي الشعر، ومن أهم مؤلفاته:
 
1-         ترجمة "رسالة التوحيد" لمحمد عبده إلى الفرنسية بالاشتراك مع برنارد ميشيل.
 
2-         مذكرات مسافر.
 
3-         مذكرات مقيم.
 
4-         جمع أخوه الشيخ على عبد الرازق مجموعة من مقالاته التي نشرها في الجرائد والمجلات في كتاب تحت عنوان "من آثار مصطفي عبد الرازق" مع مقدمة لطه حسين، وصدر في سنة 1377 هـ - 1957م.
 
5-         نسخ العديد من أعداد مجلة "العروة الوثقى".
 
6-         نسخ كتاب الإمام محمد عبده الذي ألفه عن الثورة العرابية.
 
7- جمع تراث جمال الدين الأفغاني، وما لم يستطع إحرازه مطبوعًا نقله بخط يده.
 
8-كتب أدبية عن البهاء زهير الشاعر المعروف، ونشرت سنة 1349 هـ 1930م.
 
9- تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، سنة 1363 هـ - 1944م وهو أشهر كتبه وأهمها.
 
10- في سيرة الكندي والفارابي وصدر سنة 1364 هـ - 1945م.
 
11- كتاب "الإمام الشافعي"، وصدر ضمن سلسلة أعلام الإسلام سنة 1364 هـ - 1945م.
 
12- الدين والوحي والإسلام.
 
13- فيلسوف العرب والمعلم الثاني " محمد عبده وسيرته"، ونشره في عام 1365 هـ - 1946م، وهو يجمع مقالاته ودراساته عن أستاذه، وركز فيه على الجانب الإصلاحي والفلسفي من حياة الإمام
 
14- رسائل موجزة بالفرنسية عن الأثري الكبير بهجت بك.
 
15- رسائل بالفرنسية عن معنى الإسلام ومعنى الدين في الإسلام.
 
وله أيضا مذكراتٌ ومجموعة مقالاتٍ وأحاديث لم تنشر حتى الآن، من أهمها:
 
1ـ مؤلف كبير في المنطق.
 
2ـ مؤلف كبير في التصوف.
 
3ـ فصول في الأدب.
 
4ـ مذكراته اليومية.

اضافة تعليق