لماذا أوصى الرسول بالأم ثلاث مرات في حديثه الشريف؟

الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017 12:00 ص

أنى للإنسان أن يكابد الحياة ويُبحر في غمارها بغير صديق يقف معه في محنته، ويعينه في شدّته، ويُشاركه همومه، ويشاطره أفراحه، ولولا الصحبة والصداقة لفقدت الحياة قدراً كبيراً من لذتها".
 
كانت الكلمات السابقة تعبيراً عن القناعة التي تجسّدت في قلب أحد الصحابة الكرام الذين كانوا يعيشون مع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ومن منطلق هذه القناعة قام بتكوين علاقات شخصيّة وروابط أخويّة مع الكثير ممن كانوا حوله، على تفاوت بين تلك الصلات قوة وتماسكاً وعمقاً.
 
وإذا كان الناس يختلفون في صفاتهم وطباعهم، وأخلاقهم وشمائلهم، وأقوالهم وأفعالهم، فمن هو الذي يستحق منهم أوثق الصلات، وأمتن العرى، وأقوى الوشائج، ليُطهر المشاعر، ويسمو بالإحساس؟
 
هذا هو السؤال الكبير الذي ظل يطرق ذهن الصحابي الكريم بإلحاح دون أن يهدأ، وسؤال بمثل هذا الحجم لا جواب له إلا عند من أدّبه ربّه وعلمه، وأوحى إليه وفهمه، حتى صار أدرى من مشى على الأرض بأحوال الخلق ومعادن الناس.
 
وهنا أقبل يحث الخطى نحو الحبيب -صلى الله عليه وسلم ليسأله عما يدور في ذهنه من تساؤلات، فوجده واقفاً بين كوكبة من أصحابه، فمضى إليه ثم وقف أمامه وقال : " يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟".
 
خرجت الكلمات من فم الصحابي الكريم وهو يمعن النظر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم- ينتظر جوابه، وكلّ ظنّه أن الإجابة ستكون بياناً لصفات معينة إذا اجتمعت في امريء كانت دليلاً على خيريته وأحقّيته بالصحبة، أوربما كان فيها تحديداً لأسماء أفرادٍ ممن اشتهروا بدماثة الخلق ورجاحة العقل.
 
لكن الجواب الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على النحو المتوقّع، فلقد قال عليه الصلاة والسلام: (أمك)، نعم! هي أحق الناس بالصحبة والمودّة، ويستزيد الصحابي النبي عليه الصلاة والسلام ليسأله عن صاحب المرتبة الثانية، فيعود له الجواب كالمرّة الأولى: (أمك)، وبعد الثالثة يشير عليه الصلاة والسلام إلى الأب، ثم الأقرب فالأقرب.
 
ولا ريب في استحقاق الأم لمثل هذه المرتبة العظيمة والعناية الكبيرة، فهي المربية المشفقة الحانية على أولادها، وكم كابدت من الآلام وتحمّلت من الصعاب في سبيلهم، حملت كرهاً ووضعت كُرهاً، قاست عند الولادة ما لا يطيقه الرّجال الشداد، ثم تنسى ذلك كلّه برؤية وليدها، لتشغل ليلها ونهارها ترعاه وتطعمه، تتعب لراحته، وتبكي لألمه، وتميط الأذى عنه وهي راضية، وتصبر على تربيته سنيناً طوالاً في رحمةٍ وشفقة لا نظير لهما، فلذلك كانت الوصية بصحبتها مكافأةً لها على ما بذلته وقدّمته، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
 
إضاءات حول الموقف
 
ركز الموقف الذي بين يدينا على حقوق الأقارب من الصلة والمودّة، خصوصاً وأنهم مظنة التقصير والنسيان، وتفضيل الأصحاب والأحباب عليهم، فجاء التنبيه عليهم والتذكير ببرّهم أكثر من غيرهم.
 
وأولى الناس بالبر كما هو مقتضى الحديث الوالدان، لما لهما من نعمة الإيلاد والتربية، ولذلك قرن الله حقه بحقهما، وشكره بشكرهما، قال الله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا }، وقال تعالى: "أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير"، كما جعل رضاه سبحانه وتعالى من رضاهما، وسخطه من سخطهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم (رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما).
 
وبر الوالدين أجل الطاعات، وأنفس الأعمال الصالحات، به تجاب الدعوة، وتتنزل الرحمة، وتدفع البلية، ويزيد العمر، وتحل البركة، وينشرح الصدر، وتطيب الحياة، ويرافق صاحبه التوفيق أينما حل.
 
وتكون الصحبة بالطاعة والتوقير، والإكبار والإجلال، وحسن الحديث بجميل الكلام ولطيف العبارة، وخفض الجناح ذلاً ورحمة ، قال الله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}، فإذا تقدما في السن فوهن العظم وخارت القوى كان البر أوجب، والإحسان آكد، قولاً وعملاً، قال تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}، فجاء الأمر بالقول الكريم، والنهي عن التأفّف والتضجر، والدعوة إلى المعاملة الرحيمة كمعاملة الخادم لسيّده.
 
ومن تمام الصحبة وعظيم البرّ الدعاء لهما بعد موتهما، حتى لا ينقطع عنهما مجرى الحسنات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث :وذكر منهم ولد صالح يدعو له).
 
وليس المقصود هنا استيفاء جميع النصوص الواردة في حق الوالدين وفضل برهما؛ ولا ذكر ما يتعلّق بصلة الرحم ووجوبها، فإن المقام بنا يطول، وحسبنا أن نعلم أن الرسالة التي جاء بها الحديث تدعو إلى بناء أسرة متماسكة من خلال توثيق الصلاة بين أفرادها، والأسرة نواة المجتمع وقاعدته الصلبة، وبصلاحها تصلح المجتمعات وتثبت دعائمها، وتعمق جذورها، فتتمكّن من أداء رسالتها في الأرض على أكمل وجه.

اضافة تعليق