الإمام محمد الظواهري.. الشيخ الرابع والثلاثون للجامع الأزهر

الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017 12:00 ص

نشأته وتعليمه 
 
نشأ في قريته بقرية كفر الظواهرى بمحافظة الشرقية التي نُسِبَ إليها، وقرية الظواهرية أصلها من قبيلة النفيعات التي تسمى الآن النوافعة؛ نسبة إلى نافع بن ثوران من قبيلة طيِّئ، ونشأ الشيخ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان والده من علماء الأزهر الشريف المتصوفين، وكان جده إبراهيم صوفيًّا معروفًا لدى جميع الطرق الصوفية في مصر والعالم الإسلامي، وحفظ القرآن تمهيدًا للالتحاق بالأزهر، وعُنِيَ والداه بتعليم ابنه، وتعهده بنفسه، وكان يتردد على حلقات العلم بالجامع الأزهر، ولم يكن يلتزم بدراسة كتاب محدد، أو يتقيد بحضور درس شيخ معين، باستثناء حلقات الإمام محمد عبده الذي كان معجبًا بأسلوبه في الكتابة والبحث والتدريس، وكان دائم الحضور الرواق العباسي في جامع الأزهر الذي كان مكانا لحركة إصلاحية نشطة بزعامة جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، وكان يُلقى فيه العديد من المحاضرات والمحاورات والمناظرات التي تدور حول الأصلاح. وكان الشيخ الأحمدي يحضر ذلك المنتدى، وكان يستمع إلى ما يُلقى فيه، وخاصة من الإمام محمد عبده، حتى تأثَّر به، وعندما حصّل من علوم الأزهر الشريف ما يؤهله للوقوف أمام لجنة الامتحان بالأزهر قرر التقدم للامتحان وكانت لجنة الممتحنين تتألف عادة من كبار علماء الأزهر، تقوم بامتحان الطالب بأسئلة تكشف عن حقيقة ما حصّل، وتنتقل من علم إلى آخر، وعلى الطالب أن يجيب على ذلك وكان من بين أعضاء اللجنة التي قامت باختباره الشيخ محمد عبده، الذي تقرر أن يرأس اللجنة بدلاً من الشيخ "سليم البشري" شيخ الجامع الأزهر، الذي أثنى عليه قائلًا: "والله إنك لأعلم من أبيك، ولو كان عندي أرقى من الدرجة الأولى لأعطيتك إياها". 
 
 ثم درس علوم الأزهر المقررة حينئذ مثل: التفسير، والحديث، والتوحيد، والتصوف، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والنحو، والصرف، والعروض، والمعاني والبيان، والبديع والأدب، والتاريخ، والسيرة النبوية، على يد كبار مشايخ عصره، وما كاد الشيخ الأحمدي ينال العالمية من الدرجة الأولى حتى رشح للتدريس بالقسم العالي بمعهد طنطا الذي كان يُعد أقدم المعاهد الأزهرية بالأقاليم ويمنح شهادة العالمية لطلبته مثل الأزهر، وكان منتدب من شيخ الأزهر وكان سنُّه لم يتجاوز السابعة والعشرين، ونجح في التدريس واتسعت حلقته العلمية، وأقبل الطلاب عليه لغزارة علمه، وجمال عرضه، وقدرته على الإقناع والإفهام، ودرس لطلبته المصادر الكبرى التي لا تُدرس إلا لطلبة العالمية في الأزهر، فقرأ على طلبته مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، والعقائد النسفية في التوحيد ودلائل الإعجاز لعبد القاهر في البلاغة، وصحيح البخاري، وكان يقوم بتدريسها من مصادرها وأمهاتها الكبيرة وكان إلى جانب قيامه بالتدريس يُباشر دعوته الصوفيَّة على نهج الطريقة الشاذلية، وينتقل بين المدن الكبرى داعيًا إلى الله، لترك المنكرات وشرب الخمر والمخدرات ولعب الميسر، وكان يصلح بين الناس، وفي هذه الفترة ألَّف كتاب "العلم والعلماء"، وكان يدعو فيه إلى الإصلاح، وينتقد فيه عيوب التدريس وأساليب العلماء.
 
ثم تولى موقع شيخ معهد طنطا في شهر صفر 1332 هـ / يناير 1914م)، وفي عهده افتتح المبنى الجديد للمعهد، وحضر الخديوي حفل الافتتاح، وحاول الشيخ أن يجري إصلاحات عديدة في المناهج الدراسية ووسائل التدريس، لكنه كان مقيدًا بالحصول على موافقة المجلس الأعلى للأزهر، ولم تلقى جهوده دعمًا من المجلس الأعلى للأزهر، واضطر الشيخ إلى الاعتماد على نفسه في تطوير الدراسة في حدود اختصاصاته، وقام بإنشاء جمعيَّات ولجانٍ كثيرة هدفها الإصلاح وخدمة المجتمع.
 
وعندما تولّى الملك فؤاد عرش البلاد توقفت صلته بالأحمدي الظواهري، وتغير الملك من ناحيته تجاه الشيخ بسبب الوشاية، واستحكم العداء بينهما، فقام الملك فؤاد بإلغاء القسم العالي بمعهد طنطا؛ إنقاصًا لأهميته، هو وشيخه، ثم صدر قرار بنقل الظواهري شيخًا لمعهد أسيوط، وكان معهدًا ابتدائيًا صغيرًا، ليحولوا بينه وبين المناصب العليا.
 
فترة ولايته 
 
تولى الشيخ الظواهرى مشيخة الجامع الأزهر في 7 من جمادى الأولى 1348 هـ / 10 من أكتوبر 1929م ومنذ توليه أمور المشيخه تبنى منهجه الإصلاحي الذي تأثَّر فيه بالإمام محمد عبده وبأسلوبه الإصلاحي للأزهر وبكتابه "العلم والعلماء"، الذي وضعه وشرحه وقد قام بالعديد من الخطوات في مجال إصلاح الأزهر، وكان على رأسها "قانون إصلاح الأزهر" الذي صدر في فترة ولايته عام 1349 هـ / 1930م والذي تضمن: 
 
1-         جعل الدراسة بالأزهر أربع سنوات للمرحلة الابتدائية، وخمس سنوات للمرحلة الثانوية.
 
2-         ألغاء القسم العالي واستبدل به ثلاث كليات هي: كلية أصول الدين، وكلية الشريعة، وكلية اللغة العربية، ومدة الدراسة بها أربع سنوات، يمنح الطالب بعدها شهادة العالمية. 
 
3-         أنشأ القانون نظامًا للتخصص بعد مرحلة الدراسة بالكليات الثلاثة، على نوعين:
 
تخصص في المهنة، ومدته عامان، ويشمل تخصص التدريس ويتبع كلية اللغة العربية، وتخصص للقضاء ويتبع كلية الشريعة، وتخصص الوعظ والإرشاد ويتبع كلية أصول الدين، ويمنح المتخرج شهادة العالمية مع إجازة التدريس أو القضاء أو الدعوة والإرشاد. وتخصص في المادة ومدته خمس سنوات، يتخصص الطالب في أي فرع من الفروع الآتية: الفقه والأصول، والتفسير والحديث، والتوحيد والمنطق، والتاريخ، والبلاغة والأدب، والنحو والصرف، ويمنح المتخرج في تخصص المادة شهادة العالمية من درجة أستاذ. 
 
4-         إنشاء كلية الشريعة؛ لتخريج علماء الإفتاء.
 
5-         إنشاء كلية أصول الدين؛ لتخريج مدرسي الدين بالأزهر والمدارس الأخرى.
 
6-         إنشاء كلية اللغة العربية، وحددت فيها مدَّة سنوات الدراسة، والمواد التي تُدرس في كل مرحلة.
 
7-         أنشأ المجلس الأعلى للأزهر.
 
8-         أدخل علومًا جديدة لم يدرسها الأزهر مثل اللغات الأجنبية "شرقية وغربية" واقتصاد سياسي، وقانون دولي، وعلم نفس، وغير ذلك من العلوم.
 
 وتتمثل أهمية هذا القانون فيما يلي: 
 
1-         أنه نقل الطلاب من الدراسة بالمساجد إلى مبان متخصصة للتعليم.
 
2-         تحولت الدراسة به من نظام الحلقات الدراسية التي كانت تعقد بالأزهر إلى نظام الفصول والمحاضرات.
 
3-         أصبحت كل كلية مسئولة عن التعليم، وتتولى الإشراف على البحوث التي تتصل بعلومها، وأطلق على القسمين الابتدائي والثانوي اسم "المعاهد الدينية".
 
4-         كان هذا القانون خطوة حاسمة في سبيل القضاء على نظام الدراسة القديمة، وبداية ميلاد جامعة الأزهر.
 
ولم يكن إصلاح الإمام في عهد الشيخ مقصورًا على تنظيم الكليات وتعديل المناهج العلمية، بل سعى إلى إصدار مجلة ثقافية تتحدث باسم الأزهر، أطلق عليها في أول الأمر "نور الإسلام" ثم تغير اسمها إلى مجلة الأزهر، وصدرت في اول شهر المحرم 1349 هـ / 29 من مايو 1930م ، وأسند رئاسة تحريرها إلى الشيخ محمد الخضر حسين، الذي تولى مشيخة الأزهر فيما بعد بالإضافة إلى قيامه بأرسال بعثات من العلماء للدعوة إلى الإسلام ونشر مبادئه في الخارج، فبعث بوفد إلى الصين والحبشة واليابان والسودان للدعوة إلى الإسلام. 
 
 وعلى الرغم من خطواته الإصلاحية في الأزهر الشريف لم يستطع الإمام أن يحقق كل ما يطمح إليه من وجوه الإصلاح التي دعا إليها في كتابه "العلم والعلماء" فاشتدت معارضة العلماء والطلاب له، وجابهوه بالعداء، وزاد من معارضته الأزمة الاقتصادية عام 1930 التي كانت يمر بها العالم ومصر ، ولم يجد خريجو الأزهر عملاً لائقًا، وعمل بعضهم دون أجر حتى يحفظ لنفسه حق التعيين حينما تواتيه الظروف، وزاد الأمور سوءًا أن السلطات طلبت من الظواهري فصل مائتين من العلماء في ظل هذه الظروف، فاستجاب لهم وفصل بعضهم، وبلغت الأزمة مداها بفصل عدد من طلاب الأزهر الغاضبين من سياسته والثائرين عليه ، ولم يستطع الشيخ أن يعمل في ظل هذه الظروف العدائية، فقدم استقالته في 23 محرم 1354 هـ / 26 أبريل 1935م .
 
مؤلفاته 
 
 يعد إنتاج الشيخ الظواهرى قليل نسبيا نظرا للظروف التي أحاطت بمسيرته وحالت بينه وبين التأليف، ورغم ذلك له مؤلفات قيمة ، منها ما طُبع، ومنها ما يزال مخطوطًا وتمثلت فيما يلي: 
 
1-         "العلم والعلماء" صودرت نسخه وقت صدوره وأحرقت وذلك لانه كان يرى في كتابه أنَّه يجب على المسلمين أنْ يأخذوا العلم من أيِّ مصدر كان، شرقًا أم غربًا، وأنَّ المواد التي يجبُ دراستها على الدعوة الإسلامية، ويجب عقد مؤتمرات سنويَّة لبناء فكرة الجامعة الإسلامية، ثم يعين وسائل الثقافة اللازمة لكبار العلماء، وإنَّه يجب تطهيرُ الإسلام من الخزعبلات والعوائق التي تُشوِّه معانيه وترهقه"
 
2-         "براءة الإسلام من أوهام العوام" لا يزال مخطوطًا "الأعلام الشرقية 1/ 359".
 
3-         رسالة الأخلاق الكبرى، وقد لخصها وطُبعت على نفقة الأزهر.
 
4-         السياسة والأزهر، مجموعة مذكرات ومقالات.
 
5-         كثير من المخطوطات تزيد على الثمانية، مخطوطات كتبها في شبابه في مكتبته.

اضافة تعليق