الإسلام دين السلام.. مرتكزات شرعية للحفاظ على الإنسان وعمارة الأرض

الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017 12:00 ص

الإسلام دين السلام:
وبَيَّنَ الحقُّ عَزَ وجَلَّ الهدف من إرسال الرسول وهو أنه مرسلٌ محضَ رحمةٍ للإنسانية كلها وذلك واضح في قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }.
 
وعلى هذه الرحيمية عاش ومن أجل تحقيقها جاهد. والمتتبع لحياة النبي يجدها كلها رحمة وسلامًا، وإذا كان الهدف من إرسال النبي هو نشر هذه الرحمة فإن الإسلام دين السلام وبامتياز.
 
وحكت التفاصيل الواردة في القرآن والسنة عن صدق ما ذهبنا إليه فالقرآن عندما يقول: { كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }( ) يوضح موقفه من الحرب.
 
ولا بد من ملاحظة التشبيه في تصوير إعداد الناس للفتنة بإشعال النيران وإيقادها ولا يخفى ما في ذلك من العدوان على العمران.
 
ودلالة السياق تبين أن ذلك من الفساد، وكون الله لا يحب المفسدين يعني حرمة الفساد في الأرض.
 
والإسلام يسعى لصنع السلام تحت كل الظروف ففي أثناء الحروب وعندما يحمى الوطيس ويميل العدو للسَّلام تحت قهر السُّيوف، ومع توفر احتمالية الكيد وعدم الصدق في إرادته للسلام، فإن القرآن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسَّلم حتى عند عدم أمن مكرهم.
 
قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}.( )
 
والقارئ للقرآن –ولو خطفًا- يجده يدعو إلى صنع السلام، والسعي إلى التسامح، والصلح بصورة مستمرة، ويُشيع تلك الفضيلة –فضيلة السلام– في المجتمع الإنساني كله ولا يفرق بين المسلم وغير المسلم، مما يؤكد أن الأصل في العلاقات هو السلام، وأن حالة الاحتراب طارئةٌ تُمليها ظروف محددة.

ويقول الدكتور محمد مصطفى الياقوتي، أستاذ الشريعة الإسلامية وزير دولة السودان للإرشاد والأوقاف سابقًا.، في بحث له عن المرتكزات الإسلامية في الحفاظ على سلام البشرية: "إن حالة الحرب تمليها ظروف محددة: أعني بذلك أنها موضَّحة المعالم مُفَصَّلة، حتى لا يحدث التباس بين القتال الذي تقود إليه الأنانيةُ والشحُّ، وما يوحيه الشيطان الراغب في إسعار الحروب والنفسُ الأمارة بالسوء.
 
وهو الأمر الذي أمر به القرآن وطلبه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}( )
 
ومما يؤكد أن السلم هو الأساس والأصل وأنَّ الحرب طارئة قوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا}.( )
 
والآية أعلاه ناطقة بوضوح أن سبب القتال هو المدافعة عن النفس فإذا توقف العدو عن القتال وطلب السِّلم فالواجب ترك مقاتلته لأن الله تعالى لم يُعط إذن القتال إلَّا للدفاع، فإذا لم يكن عدوان من قِبَلهِم فلا مبرر للقتال.
 
وكثير من آيات القرآن الكريم تؤكد الفكرة التي ذهبنا إليها وهي أن الأصلَ السلام.
 
ومن ذلك قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
 
فالحق لم ينه المسلمين عن مقابلة البر بالبر والإحسان بالإحسان، بل إن الأمر أوسع من ذلك حيث فيه ابتداء الكافر الذي لم يقاتل المسلم ولم يخرجه من دياره بالإحسان والبر والإنصاف.
 
ويُفهم من الآية أيضًا تأكيد الحرية الدينية التي سنذكرها لاحقًا، وفي الآية أعلاه بيان لأسباب الحرب الدفاعية حيث حصرتها الآية هنا في سببين وهما:
 
1- محاولة إكــراه المسلمين على تغيير دينهم.
 
2- محاولة غزو ديارهم بقصد إخراجهم من أرضهم.
 
وبدون السببين فإن المسلمين مأمورون بمعاملة الناس بالمعاملة الطيبة والتعارف ووصل رحم الإنسانية، دون النظر إلى المخالفة المِلِّيَّة.
 
ويلحق بما سبق أمر نصرة المظلومين والمستضعفين، وهذا النوع من القتال المأذون فيه لا يكون السلام متحققًا وشاملًا بدونه. والملاحظ لما كتبناه عاليه يجد أننا ذكرنا آيات القرآن المؤكدة للسلم وهي تطبق على علاقة المسلم مع المخالف الملي.
 
ونضيف إلى ما سبق حديث النبي الذي يقول فيه: "ألا أخبركم بالمؤمن؟ إنه مَنْ أمِنَه الناس على أموالهم وأنفسهم".
 
ففيه التأسيس النظري للسلام كمطلب رباني والإعلاء من شأنه كضرورة من ضرورات العمران، والحديث قد جعل اختبار الإيمان في الشخص مركوزًا على التزامه بتوفير الأمان حتى لأهل الملل والنحل الأخرى.
 
وحقًّا قد عظَّم الإسلامُ السلمَ حتى جعله ميزةً فارقةً بين المسلم الحقيقي وغيره.
 
وَوَقَفَ بقوة أمام كل عادية تحاول تَقَحُّم سور السلام، والمتأمل في سنة الحبيب  يجدها ملأى بالحض على رعاية آصرة الإسلام والإنسانية، فكم مِنْ عُمْقِ نداءٍ بأهمية السلام الاجتماعي يحمله قوله : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
 
ويا لها من تفاصيلَ مُسْعِدةٍ تلك التي تضع عبودية الإنسان لله تعالى على المحكِّ، وتفضح مستوى مكنون الإيمان في قلبه، تلك التي تبرهن أنَّ المدار في معرفة حقائق الإيمان على شواهد الحال، يا لها من تفاصيل!!
 
تلك التي حواها قوله : "لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبعْ بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا –ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه".( )
 
فهذا الحرص على السلام بالنهي عن البغضاء والعداوة بل والدخول في منع تفاصيل ما يؤدي إليهما كالنهي عن التناجش والبيع على البيع وكل ما من شأنه أن يعكر صفو العلاقات، يؤكد حرص الشريعة على البناء الاجتماعي القوي، وهو بناء قائم على الحب ومن باب أحرى أن يحرص على السلام.
 
مؤسسات صنع السلام وحفظه:
ومن حرص الإسلام على استدامة السلام أنه حض على الصلح في كثير من آياته، وحض على التدخل من أجل بقاء الصلات قوية أو سليمة، وقد وردت هذه النداءات في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}( ).
 
وفي قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}( ). أمَّا ما يمكن أن يؤسس لقيام مؤسسات صنع السلام وحفظه فهو قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }.
 
ففي النص السابق تأييد مفهوم الوساطات والتدخلات العادلة المنصفة والمُبرَّأةِ من داء التسييس، وإنما المراد وساطات ذات طابع قيمي مجرد فالأخذ والودع، والتوصيف والحكم، والسعي للصلح إنما بمقتضى الحق والباطل والبراهين المجردة، لا بالأهواء والرغبات الشهوانية.
 
والتدخلات التي نعنيها إنما تكون من طرف ثالث محايد، همه أن يحيا الناس في سلام، وأن تُحفظ الدماء، وتبقى الوشائج الطيبة، وكل ذلك وسائل العمران والأمان.
 
ووظيفة الطرف الثالث المحايد –كما هو ظاهر– فض النزاعات ولو كان ذلك بالقوة.
 
واقترح الدكتور محمد مصطفى الياقوتي إنشاء قوة خاصة بالمسلمين، تقوم بتسوية الخلافات، وتتخذ كل التدابير والحيل من أجل بناء السَّلام وخلق عوالم المناصرة والتآزر ويكون لهذه القوة مرجعية تستند إليها في الحكم على الأشياء، ولا أعتقد أن قيام مثل هذه القوة المشتركة الراعية للأَمن والسلام من قبيل النافلة وإنما هي أمر واجب لا بد من التفكير فيه والبداية بصنع المرجعية الفكرية التي يُستنَد إليها.

اضافة تعليق