الأحاديث النبوية عن الطعام والشراب وعلاقتها بالتراحم والمودة بين المؤمنين

الإثنين، 20 نوفمبر 2017 12:00 ص

يعتبر كثير من الناس أن طعامهم وشرابهم من الأشياء الاعتيادية التي لا تستحقُّ حمدًا خاصًّا عليها، أو يعدّون الطعام والشراب شيئًا هيّنا بسيطًا لا يستوجب الحمد والشكر، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، فنعمة الطعام والشراب من أعظم نعم الله تعالى علينا، والجوعُ عقاب عاجل من الله تعالى لمَنْ لم يُقَدِّر نعمة الشبع، يقول الله جل وعلا في كتابه العزيز محذرا عباده من جحود نعمة الرزق: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".
 
لهذا كان من سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يحمد الله تعالى عقب الانتهاء من الطعام والشراب مباشرة، وكان يُعْلِنُ هذا الحمد حتى يُذَكِّر به أهل بيته والآكلين معه، وحتى يُذَكِّر نفسه كذلك بفضل الله تعالى عليه، ولو لم يكن في الحمد من فائدة ومزيّة إلا أنه مَظِنّة حصول الرضا من الله جل وعلا - كما في حديث أنس بن مالك، فأنعِمْ بها من فائدة ومزيّة.
 
وبالتأمل في ألفاظ دعائه صلى الله عليه وسلم بعد الطعام: (غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ، وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا) سنجد أن فيه تعظيما لله المنعم المتفضل، الذي له الحمد في جميع الأحوال، وهو سبحانه غير محتاج لأحد من خلقه؛ بل هو الذي يكفيهم، (غَيْرَ مَكْفِيٍّ) أي غير مردود ولا مقلوب، والضمير راجع إلى الطعام، وقيل: مكفي من الكفاية، يعني أن الله هو المطعم والكافي، وغير مطعم ولا مكفي فيكون الضمير لله تعالى، (ولا مُوَدَّعٍ) أي غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده؛ بمعنى أنني لن أترك حمدك أبدًا.
 
وهذا خطاب خاشع لله عز وجل يُعَبِّر عن امتنان العبد له سبحانه إذ أنعم عليه بالطعام والشراب، فلْنحرص على قوله بعد كل طعام، ولنتدبَّر في معانيه التعبدية، حتى ننال ما يترتب عليه من فضائل، وننال أجر إحياء سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم.
 
*إهداء الطعام بين الجيران  :
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني: "إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ".
 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ".
 
"فِرْسِن الشاة": هو ما دون الرسغ من يدها، وقيل: هو عظم قليل اللحم، والمقصود المبالغة في الحثِّ على الإهداء، يحث الدين الإسلامي الحنيف المسلمين على التلاحم والترابط والشعور بالآخرين؛ لذلك كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يُوصي بالجيران دائماً، فهم أقرب الناس إلينا، وأكثرهم ملاصقة لنا، ولو فقدنا الاهتمام بهم فسيكون ذلك مُقَدِّمة لفقد الاهتمام بكلِّ المسلمين.
 
وبتأمل الحديثين فإن الأول منهما موجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرجل، والثاني هو نصيحة خاصة للمرأة المسلمة، حتى يقوم كل منهما "الرجل والمرأة" بتلك السنة، ويبادر إليها، ويحرص على تطبيقها، وأكثر جبريل عليه السلام من التأكيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الجار، وما ذاك إلا لعِظَم حقه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ"، ولذا فإن إهداء الطعام للجار نوع من تطبيق الوصية بالإحسان إليه، وإدخال للسرور إلى قلبه، وإزكاء لروح المحبة والمودة، وتقوية لأواصر الروابط الاجتماعية.
 
وليس المقصود من هذه السنة صناعة طعام خاص للجيران، حتى لا يتكلف المرء ما لا يطيق، ولكن المراد إهداؤهم من الطعام الذي تأكله الأسرة، ويكون ذلك بزيادة كمية الطعام قليلاً حتى يمكن إهداء الجيران منه، ومما يتعلق بذلك أيضاً: صناعة الطعام للجيران إذا حصلت عندهم وفاة، فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قُتِل جعفر: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد أتاهم أمر شغلهم) رواه أبو داود بإسناد صحيح، قال الإمام الشافعي: "وأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعاماً يشبعهم، فإن ذلك سُنَّة، وذِكْرٌ كريم، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا".
 
فيجب الحرص على هذه السنة الجليلة التي تنشر المحبة والود في أركان المجتمع، مع رعاية عدم التكلف في الطعام بإرسال كمية كبيرة، قد يعجز الجار عن المبادلة بمثلها، أو يكون ذلك مانعاً من المحافظة على هذه السنة الاجتماعية التي تؤلف بين قلوب المسلمين، وتزرع المودة والتعاطف بينهم.
 
*الاجتماع على الطعام : 
عن وحشي بن حرب رضي الله عنه أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول اللهِ، إِنَّا نَأْكُلُ وَلا نَشْبَعُ. قَالَ: (فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ".
 
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحض أصحابه على الاجتماع وعدم الفرقة بوسائل كثيرة، ويستغل مناسبات مختلفة لتحقيق الوحدة بين المسلمين والترابط فيما بينهم؛ ومن تلك الوسائل التي حث عليها وأمر بها: الاجتماع على الطعام، كما في الحديث.
 
فالاجتماع على الطعام وتسمية الله قبل البدء فيه يحققان البركة، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وليست البركة في الطعام وأثره في الجسد فقط؛ وإنما البركة كذلك في تحسن العلاقات الاجتماعية، سواء كانت علاقات أُسرية أو أخوية ونحوهما، نتيجة تقابل الجميع على الطعام، وما يترتب عليه من تبسّط أثناء الأكل وإكرام للضيف ونحو ذلك.

اضافة تعليق