مهاجرون يدفعون الثمن.. آثار الفتاوى السلبية على الأقليات المسلمة في الغرب

الإثنين، 20 نوفمبر 2017 12:00 ص

وتتجلى بعض آثار فتوى التحريم فيما يلي:
من شأن هذه الفتوى أن تخلق صراعا نفسيا لدى الشخص المسلم، ما قد يترتب على ذلك اضطرابات مجتمعية من عدم الاستقرار وتأنيب النفس وجلدها لارتكابها مخالفات شرعية وفقا لفتوى التحريم، كما قد تحول دون اندماج المسلمين اندماجا واعيا ومسؤولا، كما قد تؤدي إلى عرقلة قيام المسلمين بواجبهم الدعوي في الغرب، ناهيك عن عرقلة مسيرة حياتهم على المستوى الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى زعزعة استقرارهم الاجتماعي، وضياع مصالحهم في هذه البلدان، بشكل يثبط هممهم عن القيام بمسؤولياتهم تجاه مجتمعاتهم الجديدة والإسهام فيها إسهاما نافعا، دون أن ننسى تأنيب الضمير الذي سيشعر فيه البعض من عدم تنفيذ هذا الفتوى بالرجوع إلى موطن الأصل وشعورهم بارتكابهم الإثم الشرعي بالإضافة إلى عرقلة مسيرتهم الدعوية في بلاد الغرب.
 
مخاطر الفكر المتطرف والفتاوى الشاذة والأصوليين على أوروبا ومنها هولندا:
من الصعوبة بمكان تحديد أرقام أو أعداد محددة لمسلمي الغرب من أصول غير غربية، ولكن يمكن تقديرها بحوالي 8 ملايين داخل الاتحاد الأوروبي، والعدد في تزايد مضطرد، خاصة مع ازدياد طالبي اللجوء وتنامي الهجرة السرية، ناهيك على النمو الأسري للمسلمين في الغرب الذي يعادل النمو الأسري للسكان الأصليين، الأمر الذي أدى إلى تزايد اهتمام الدول الغربية بمسلمي أوروبا وخاصة بالمتطرفين منهم.
 
إن سياسة الاتحاد الأوربي ومنها فرنسا على وجه التحديد كانت تتمنى وتأمل أن ينصهر المسلمون في المجتمع الفرنسي كغيرهم من مواطني الدولة الفرنسية، غير أن إظهار الوجه العلماني في التعليم الفرنسي قد ساهم في إيجاد العديد من المشاكل مع المسلمين كمنع ارتداء الحجاب مثلا.
 
وتجدر الإشارة إلى أن دول "البينلوكس" ومنها بريطانيا تميل إلى الاعتراف بالخصائص المتنوعة للمجموعات العرقية والدينية المسلمين، وترفض نموذج الاندماج والانصهار الفرنسي، كما أن هولندا تميل إلى احترام نموذج الأقليات العرقية كذلك.
 
السلفية: الأفكار والفرق.
 
هناك دراسات متصاعدة سواء على المستوى المحلي أو المستوى العالمي حول السلفية الجهادية بالخصوص والتهديد المتزايد الذي يمكن أن تشكله على الأمن والسلام الوطني المحلي.
 
 فالسلفية عموما في هولندا تنقسم إلى ثلاث مستويات: السلفية غير السياسية، السلفية السياسية، السلفية الجهادية، وهذه الأخيرة تمثل الفرقة التي تعانق العنف أو التي تشرعن العنف من بين المستويات المذكورة، وترفع الجهاد العنفي إلى أعلى سلم العبادة.
 
فهي -أي السلفية الجهادية- تعمل على نشر الأفكار المتطرفة، خاصة وأن الأبحاث التي أجريت -ومنها بحث للمخابرات الهولندية- أكدت أن تيار السلفية الجهادية ينمو في هولندا بشكل لا يُطمئن.
 
الإنترنت في هولندا ودوره الحيوي في نشر أفكار التطرف:
بعض الدراسات التي أجريت حول موضوع الإنترنت التي قامت بها عدد من المؤسسات حول منتديات النقاش، وبلوج، ومجموعة (م س ن)، أكدت أن الإنترنت يمكن اعتباره فضاء لنشر الأفكار المتطرفة، وبالتالي فإن الاستنتاج العام من هذه الأبحاث هو أن هذه الوسائل تلعب دورا كبيرا في تطوير ونشر أفكار السلفية الجهادية المتطرفة. وهذه الوسائل توفر إمكانية التفاعل بين الجهاديين بعضهم ببعض، والجهاديين مع جمهور واسع من المهتمين والمتعاطفين.
 
ووفق الدراسة التي أجريت من طرف المخابرات الهولندية فإن الجهاديين في الإنترنت يركزون في أنشطتهم على ترجمة ونشر أدبيات الجهاد، كما أنهم يحاولون التأثير على الرأي العام، وهكذا فإن شبكة الإنترنت تلعب دورا عند الجهاديين، بحكم أنها تبقى خارجة عن سيطرة المؤسسات الإسلامية ذات الطابع الرسمي، وبالتالي فبواسطتها يمكنهم الحفاظ على العلاقات المتواصلة ونشر أفكار التطرف وإيجادها أيضا.
 
إن الإنترنت وفق الأبحاث التي أجريت تعد الوقود والمنبع بالنسبة للجهاديين، حيث تشير هذه الأبحاث إلى أن المواقع الجهادية جذابة ومشهورة وسط الشباب المسلم في هولندا وليس بين معتنقي السلفية الجهادية فقط، وذلك بسبب كون هذه المواقع توفر العديد من الإجابات عن الأسئلة التي يتصارع معها الشباب نفسيا وعقليا، علاوة على أن هذه الأجوبة تكون بطريقة جذابة بالنسبة للشباب، وقد اتضح بأن الشباب يستقون مصادر معلوماتهم الإسلامية عن طريق هذه المواقع، فضلا عن مواقع الدردشة، ثم يعمدون إلى وضع نص مترجم باللغة الهولندية لمن فاتتهم الدردشة بحيث يمكنهم الرجوع إليه في أي وقت.
 
كما يمكن القول: إن الإنترنت وفر للشباب ما يمكن اعتباره "سلطة دينية" أو مسؤولين دينيين، يرجعون إليهم ويثقون فيهم وينهجون نهجهم، حيث يعمد الشباب المسلم إلى طرح أسئلة أو طلب فتاوى حول موضوع معين من علماء موثوق فيهم بالنسبة إليهم من دول خليجية، هذا النوع من السلطة الدينية البعيدة تعد أقل تقييدا من الأئمة المحليين. 
 
إن الإنترنت وسيلة اتصال حيوية ليس بين المسلمين في الغرب فقط بل مع المسلمين في العالم، وهي وسيلة يستغلها المتطرفون من أجل اللعب بشعور المسلمين من خلال نشر أفكارهم وأيضا من خلال نشر بعض الصور في العمليات القتالية التي تتم بين المسلمين وغيرهم لكسب المزيد من التعاطف معهم، حيث يتعمدون توجيه الشباب المسلم في العالم بأن غيرهم من غير المسلمين يحاربون الإسلام والمسلمين.
 
لذلك فالإنترنت يلعب دورا بارزا في نشر الفكر المتطرف والفتاوى المتطرفة والشاذة بين الشباب المسلم في الغرب مما أدى بهم إلى اعتناق هذه الفتاوى والأفكار المتطرفة ونقلها إلى الواقع العملي في شكل القيام بعمليات إرهابية.
 
منهج وقيمة قراءة النوازل والفتاوى:
إن قراءة فقه النوازل ليست بالأمر الهين السهل، فمسائله لا تكشف عن قيمتها بمجرد النظرة السريعة والتعامل معها يستدعي ويستلزم إمعان النظر والتسلح بالأناة والصبر، ويتطلب تحصيلا جديا لفك معضلاتها وإزاحة الغموض الذي يحيط بها في كثير من المواضيع، فالفتاوى المعروفة الأصل تتسم بالطابع الواقعي، فتكون شاهدا وثيقا للفترة الزمانية التي عاصرها المفتي، وتفيد المؤرخ الاجتماعي في المجالات الحياتية التي تمسها من قريب، وأما خصائص النوازل ومواصفاتها، فالنازلة هي في الواقع مشكلة عقائدية، أو أخلاقية يصدم بها المسلم في حياته اليومية، فيحاول أن يجد لها حلا يتلاءم وقيم المجتمع بناء على قواعد شرعية. (محمد المختار ولد السعد، الفتاوى والتاريخ، دراسة لمظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في موريتانيا من خلال فقه النوازل، دار الغرب الإسلامي، ط1، 2000م، ص39).
 
وهذا يقتضي:
- ضرورة تحكيم العرف في النوازل عند الإمام مالك إمام دار الهجرة.
- ضرورة أخذ الواقع المعيش وديناميكية الزمن بعين الاعتبار في صياغة الفتيا.
 
إن الفقهاء والمفتين راعوا في كثير من الأحيان الفوارق الزمانية والمكانية وعادات مجتمعهم البدوي، وقد صرح الشيخ محمد المامي (1292 هجرية/ 1875م) بتلك الحقيقة في كتاب البادية (ص19) قائلا: "... وما ألجأني إلى جذع نخلة هذا العلم الغريب (الاجتهاد) إلا مخاض ضرورات أهل المدنية وعوائدهم، وما يصدق عليهم أنهم قطر من المسلمين ولهو ضرورات وعوائد، والضرورات والعوائد مما تبنى عليه الأحكام" .. كما أكد في ( الدلفينية) على ضرورة أخذ الواقع المعيش وديناميكية الزمن بعين الاعتبار في صياغة الفتيا.
 
وذهب أكثر من مفت في معالجته لعرف أهل البلد وبضرورة تحكيم ذلك العرف في النوازل وخطورة الخروج عليه قائلا: "إن عمل الناس مقدم على النص الشرعي عند مالك رحمه الله تعالى، ومن أراد الخروج على العرف في هذه البلاد فقد فتح باب فتنة لا يسد، وتكرر في المتون تحكيم العرف وأجمعوا أنه لا يجوز القضاء ولا الفتوى بغير العرف؛ لأنه ركن من أركان الشريعة". (محمد المختار ولد السعد، الفتاوى والتاريخ، ص5- 6).
 
يستنتج من النص السابق ضرورة الأخذ في الحسبان الواقع والعادات وأعراف الناس في صياغة الفتوى قصد استقرار المجتمعات وتعزيز السلم بينهم، وماعدا ذلك فإنه يؤدي حتما إلى عدم الاستقرار النفسي والروحي والديني والاجتماعي، ولأن الشريعة الإسلامية في مجملها جاءت لحماية الناس وإسعادهم دينا ودنيا، وهذا ما يفتقده بعض أهل التطرف في معالجتهم للقضايا التي تمس حياة المسلمين اليومية في سلوكهم أو في عقيدتهم، من خلال صياغة فتاوى تعسفية قائمة على الفكر المتطرف والمتنطع، مما حول حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، وهذا المنهج في إصدار الفتوى يمكن أن يستقيم بتتبع مبدأ سد باب الفتنة.
 
والعرف هو أول مصدر للقانون الدولي العام، وهو أكبر المصادر وأغزرها مادة، فمعظم القوانين الدولية نشأت واستقرت بالعرف، وطريقته: أن تقوم الصلات بين الدولتين على نسق معين أو تحل مشكلة معينة بينهما بطريق معين، ثم تقوم الدول الأخرى واحدة بعد واحدة بسلوك الطريق نفسه كلما جدت نفس المشكلة، ثم تقوم الدول الأخرى واحدة بعد واحدة بسلوك الطريق نفسه مسلمة بأنه أحسن حالا، وأقوم طريقًا، وأعدل جادة، وبتكرار هذا العرف تتكون القاعدة القانونية بشرط أن يكون قد قام في ضمير الدول أن السير على نهج هذه المادة أصبح واجبا، وأهم مزايا هذا المصدر الذي هو مصدر الأحكام القانونية والفقهية الدولية، فالعرف مرن غير جامد، متطور قابل لمواجهة كل حاجة أو مشكلة على حدة، وقد يحوط العرفَ شيء من الغموض أو الخلاف على تفسيره. (المستشار علي منصور، الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، دار القلم، القاهرة، بدون تاريخ، ص28، تحت عنوان: مصادر القانون الدولي العام).

اضافة تعليق