شُعب الإيمان.. التواضع

الأحد، 19 نوفمبر 2017 12:00 ص

التواضع هو اللين وعدم التعالي على الناس، وحيث توعد الله تعالى هؤلاء المتكبرين في الأرض بالنهاية الذليلة في الدنيا والحساب الأليم في الآخرة، أما التواضع صفة العبد الطائع الراضي الذي يعرف أن الكبر من صفات الله تعالى وحده يقول في الحديث القدسي: "الكبرياء ردائي".
 
وجب على المرء أن يعرف مقدار نفسه، ويعلم علم اليقين أنه عبد لله، مهما أمتلك من قوة في بدنه، أو نعم ومال، وما تكبر عبد؛ إلا نقص من عقله بمقدار ما تكبر به على الناس، ويتبين أنه لم يذكر القرآن لفظة "التواضع"، إنما صورها بهذه الصورة البلاغية المعجزة فقال"وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" (الشعراء: 215)، وكذلك في قول المولى -عز وجل- "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" (الإسراء: 23).
 
ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً يعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه"، وكذلك قال أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وجدنا الكرم في التقوى، والغنى في اليقين، والشرف في التواضع.
 
وحرص الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعلمنا خُلق التواضع؛ فالمعروف أن القادة المنتصرين في المعارك، والفاتحين الذين يدخلون المدن المفتوحة كانوا يشمخون بأنوفهم نحو السماء بينما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حين دخل مكة فاتحاً قد أحنى رأسه حتى إن لحيته الشريفة لتمس رحل ناقته وكان رحلاً رثاً زيادة في تواضعه. 
 
وكما أن التواضع غلب في حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- وخاصة في بيته وفي ملبسه وفي فراشه وفي طعامه، وحيث ورد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- موقفاً ترك أثراً في نفسه حتى أبكاه، يقول وهو يصف حاله عند دخوله على محمد -صلى الله عليه وسلم- وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت".
 
ويتجلى تواضع محمد -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع الناس في اعتنائه بالضعفاء، كان يعني بقضاء حوائجهم ومشكلاتهم، ولا يأبى أن يمشي مع الأرملة أو المسكين فيقضي حاجته.
 
وحيث أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- يعايش الواقع مع صحابته أن يكتفي بإصدار أوامره إليهم، ولكنه كان يعايشهم ويشاركهم بكل أريحية، فحين قدم المدينة كان من أول أعماله أن قام ببناء مسجده بالتعاون مع أصحابه فشاركهم في بناء المسجد، وكذلك في غزوة الخندق حمل التراب أثناء حفر الخندق وقام بنقله مع صحابته بلا كلل أو تأفف. 
 
وكما أنه كان يتناوب مع علي بن أبي طالب وأبي لبابة على بعير واحد في غزوة بدر، حتى إذا كانت نوبته، قالا له اركب حتى نمشي، فقال لهما: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما". 
 
وكان يمنع أصحابه من القيام له، فيقول"من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار"، وحث على التواضع؛ فقال -صلوات الله عليه وسلم- "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر".
 
وهناك تواضع منهي عنه؛ فهو تواضع مذموم وهو أن يتواضع الفقير الى الغني لغناه؛ لكن لابد من التفريق بين هذا التواضع وغيره من التواضع الممدوح فربما تكون في الرجل صفتان كالتقوى والغنى فالتواضع من جهة التقوى ممدوح والتواضع من جهة الغنى لاجل تحصيل شيء من حطام فهذا هو المذموم.
 
اما ثمار التواضع فهي المحبة في قلوب الناس والسلامة والمهابة وعدم الكلل من طاعة الله وانتظام الامور وعمران القلب بالحكمة وبالتواضع تتم النعمة وهو ينشر الفضيلة وبه تحصل الرفعة هكذا ورد عن الصحابة، وكذلك عن النبي -صلى الله عليه واله وسلم.  
 

اضافة تعليق