شُعب الإيمان.. الحِلم

السبت، 18 نوفمبر 2017 12:00 ص

تنقلب أمور الحياة على مرِّ الأوقات والأزمان، وتكثر في هذه الحياة الدنيا المنغصات والمشاق، وكما ذكر في آيات الذكر الحكيم " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ " (البلد: 4)؛ لذلك يحتاج المرء أن يتعامل بخلق الحلم حتى يتجاوز العقبات، حتى يتخفف الصدمات ويُسرّي عنه الشدائد والأزمات، وكما يرشد الإسلام  للخروج من هذه المواقف بسلام، وكما أثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- على أشجِّ عبد القيس لاتصافه بالحلم والأناة؛ فقال له "إن فيك خصلتين يحبهما الله الحِلْم والأناة ".
 
 ويٌعتبر الحلم حِلية أنبياء الله عليهم -الصلاة والسلام-، فهذا إبراهيم الخليل -عليه السلام- يصفه ربه بالحِلْم؛ فيقول"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ " (التوبة: 114)، ويبشره ربه كذلك بابن حليم، فيكون الحِلْم من صفات إسماعيل عليه السلام؛ قال تعالى" فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ"(الصافات:101)، وكذلك يُوْصَف شعيبٌ -عليه السلام- بالحلم والرشد من قومه، وإن كان على سبيل التهكم والاستهزاء منهم، قال تعالى "إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ " (هود:87). 
 
ويأمر الله بالحلم والرفق ومجاهدة النفس عليهما ويبيِّنُ آثارَهما، فيقول تعالى"وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" (فصلت: 24-25).
 
ويحذر عليه -الصلاة والسلام- من فقد الحلم والرفق؛ وأن بفقدهما يُفقد الخير؛ فيقول"من يحرم الرفق يحرم الخير"، ومن ثم قيل وصدق من قال"الرفق في الأمور كالمسك في العطور "، وحيث يقول الإمام أبو حامد الغزالي في بيان معنى الحليم: "الحليم هو الذي يشاهد معصية العصاة، ويرى مخالفة الأمْر، ثم لا يستفزُّه غضبٌ، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المشاركة إلى الانتقام، مع غاية الاقتدار".
 
كما وَصَفَ الخالق - عز وجل - بعضَ أنبيائه بالحلم؛ فقال عن إبراهيم - عليه السلام –"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ " (هود: 75)، كما وصف إسماعيل - عليه السلام - بالحلم في قوله تعالى " فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ " (الصافات: 101)، كما وردتْ آيات قرآنية عديدةٌ تشير إلى هذا الخُلق الفاضل، وتدْعو المسلمين إلى ضرورة التحلِّي به؛ قال تعالى " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " (آل عمران: 133، 134)، وقال - عز وجل -"خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " (الأعراف: 199).
 
وحيث بلَغَ سيدنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - قمَّةَ هذا الخلق العظيم، وذروة هذا الأدب الرفيع، ونعرض لهذا الموقفِ الذي يبيِّن حلمَه - صلى الله عليه وسلم - وسَعة صدره؛ فعن أنس بن مالك قال "كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه بُرْدٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة، حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثَّرت بها حاشية البرد؛ من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفتَ إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أمر له بعطاء.
 
أرأيتَ إلى هذا الحلم العظيم والأدب الجم، الأعرابيُّ يتطاول على الرسول بيده فيجذبه هذه الجذبة العنيفة، التي جعلت رقبة النبي - صلى الله عليه وسلم - تحمر، ويتطاول عليه بلسانه، فيقول له: احمل لي بعيريَّ هذين من مال الله الذي عندك؛ فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، ولكن حلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتَّسع لمثل هذه المواقفِ، ويقول للأعرابي في هدوء وأناة "المال مال الله، ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي". 
 
 ويرفض الرجل أن يقتصَّ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يجذبه كما جذبه، ويبتسم الرسول للأعرابي؛ لأنه ما أراد حقيقة القصاص؛ وإنما أراد أن ينبِّهه إلى خطأ ما فعل، ولا يكتفي النبي بحلمه؛ إنما يمنحه ما طلب، فيأمر أحدَ الصحابة أن يحمل له على بعيريه؛ على بعير شعيرًا، وعلى الآخر تمرًا.
 
كما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التحلي بهذا الخلق الفاضل في العديد من الأحاديث النبوية الشريفة؛ فعن سهل بن معاذ، عن أبيه: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم – قال"من كظَم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيِّره من أي الحور العين شاء"؛ (رواه أبو الدينا في ذم الغضب). 
 
 وردعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –"ثلاثٌ من كنَّ فيه، أواه الله في كنفه، وستر عليه برحمته، وأدخله في محبته: من إذا غضب فتر"؛ (رواه الحاكم)، ولذلك قال الحسن - رضي الله عنه -: المؤمن حليم لا يجهل وإن جهل الناس عليه، وتلا قوله - تعالى –"وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا " (الفرقان: 63).
 
وحيث أن التحلي بهذا الخلق الفضيل؛ حتى نكون من الذين ينعم عليهم الخالق - عز وجل - بالثواب العظيم، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال "إذا جمع الله الخلائق، نادى منادٍ: أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم ناس، وهم يسير، فينطلقون سراعًا إلى الجنة، فتتلقَّاهم الملائكة فيقولون: ما فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلمنا صَبرْنا، وإذا أسي إلينا حملنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين".
 
ويتبين أنه لا يعني الحلم والأناة تبلد المشاعر، وإنما ضبط هذه المشاعر وتوجيهها الوجهة الصحيحة، ولذلك تشتد الحاجة للحلم حين تثور المشاعر؛ فتحتاج إلى التهدئة والتسكين، وحين تشعر النفوس بالضيم فتتطلع إلى الانتصار. 

اضافة تعليق