شُعب الإيمان.. الصبر

الجمعة، 17 نوفمبر 2017 12:00 ص

الصبر شُعبة من شُعب الإيمان؛ فيثاب الإنسان عندما يتحلى بالصبر، لما يعاني منه من حبس النفس على ما ينفعها وعمَّا يضرها عاجلاً وآجلاً، دنيا وآخرة، وحقيقته حبْسُ النفس على طاعة الله بحيث لا تملُّها وتتركها، وعن معصية الله فلا تتشوق إليها وتقتحمها.
 
وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخطها وتعترض عليها وتقول أو تفعل ما يخالف الشرع عند وقوعها، وعن الأهواء المضلة، والحذر من معارضة الشرعِ بالرأي تحقيقًا لمقاصدها، وكما ذكر الصبر في مواضع عديدة من آيات الذكر الحكيم، وكما وضع إليه كثيرًا من الخيرات والدرجات وجعلها ثمرة له. 
 
رغم أنَّ القُدرة والطاقة على الصبر والتحمُّل تَختلِف من شخص لآخر، فالناس في ذلك ليسوا على حد سواء، ولكن لكل إنسان طاقة على الصبر والتحمُّل، حتى الأنبياء والرسل نرى كيف كان تحمُّلُهم وصبرهم في سبيل الدعوة إلى الله تعالى. 
 
 وحيث أنه كان رسول -صلى الله عليه وسلم-؛ تحمَّل ما لم يتحمَّلْه بشر، فكان قويًّا صُلبًا، لم يَنكسِر يومًا لحدث ما، ولم يُصبه أو يمر به، فالإنسان عليه أن يتحلى بتلك السمات ومنها قويَّ النفس، قويَّ الإرادة، قويَّ العزيمة. 
 
ويتبين أهمية الصبر أن الله أمر به رسوله أول ما أوحى إليه، وأمره بالإنذار، فقال"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ" (المدثر: 1 – 7)، وحيث أن في قوله: ولربك فاصبر إشارة إلى إخلاص السر لله تعالى، لا ليقال صبور، كما قال تعالى"وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ " (الرعد: 22).
 
وحث السول الله -صلى الله عليه وسلم- قال "والصبر ضياء"،وكما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري؛ فأما الصبر على طاعة الله، فإن النفس لا تستقيم على أمر الله بيسر وسهولة، وقال تعالى"وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى" (طه: 132) 
 
وحيث روى الطبراني في المعجم الكبير من حديث عتبة بن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم – قال "إن من ورائكم أيام الصبر المتمسك فيهن يومئذ بمثل ما أنتم عليه له كأجر خمسين منكم" قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: "بل منكم".
 
ويدرك المؤمن اختبارَ الله له؛ فيما يجري عليهم، فيصبرون على البلاء، ويشكرون عند النعمة كما أُمر، وكما ورد عن الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- "عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرَّاءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له"؛ صحيح مسلم.
 
أمر االمولى -عز وجل - بالتحلي به، حيث ذكر في آيات الذكر العظيم في قوله " فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً "(المعارج: 5)، ويُوعد الصبر الجميل هو ما لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله تعالى، وقد قيل: إنه ذلك الصبر الذي يجعل صاحب المصيبة خفيًّا، فلا يُدرى بأنه مصاب؛ فتح القدير ص: (1823).
 
قرن اللهُ تعالى بين التواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ إعلاءً لشأن الصبر، وتنويهًا بعظيم قدره، وبيانًا لجزيل ثوابه؛ "الْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" (العصر: 1 – 3).
 
وبينما كان التواصي بالصبر بين المسلمين، فإن الله تعالى أمر عباده بأن يُباروا أعداءَهم ويجالدوهم، ويتفوَّقوا عليهم في الصبر على الشدائد، وفي أن يصبِّر بعضُهم بعضًا حتى يَدْحَرُوهم، وهو ما يُفهَم من ﴿ وَصَابِرُوا ﴾ في قوله - سبحانه - في سورة آل عمران "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (آل عمران: 200).
 
ويرشدنا الله تعالى في القرآن إلى أن نستعينَ به سبحانه في الحصول على الصبر؛ ذلك أن ما يَعرِض للنفس قد يفوق الطاقةَ، لولا مددٌ من الله وتثبيت، حيث أن دعوة السحرة الذين استعان بهم فرعون لمواجهة موسى - عليه السلام - فما أن تبيَّن لهم الحقُّ حتى خروا له مُذْعِنين، وأيقنوا أن ما سيلحق بهم جراء ذلك سيكون شديدًا، فقالوا "رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ" (الأعراف: 126).
 
وكذلك دعوة طالوت وجنوده في قوله تعالى "وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (البقرة: 250).
 
ويتوضح من خلال تلك الآيات الكريمة أن الصبر ليس مَلَكةً نفسية، بل هو مدد رباني يشدُّ به اللهُ تعالى أولياءه في مواجهة ما يضعُفُ الإنسانُ عن تحمُّله، ويُظهر الدعاءُ عجزَ الإنسان بنفسه، واحتياجه إلى أن يتقوَّى بربه.  
 
ويتمثل الصبر بـ القوة، ولكن الله تعالى يريد لعباده المؤمنين أن يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه وأرقى؛ أن يتجاوزوه إلى العفو، حين يتعلق الأمر بالأذى.
 
يختبر المولى –عز وجل – عباده، وعندما يجتازوا هذا الاختبارَ؛ فيستحقون البِشارة، وهم الذين يرتبطون بالله تعالى ويرونه في كل شيء، ويعلمون أن ما يجري لهم إنما هو بأمره وعلى عينه، فهم والحالةُ هذه في مقام الرضا، وما داموا عبادًا طائعين فهم مستسلمون لأمر الله وقضائه، ويعبِّرون عن هذا الاستسلام بقولهم "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ"، وإن هؤلاء هم الذين تتنزل عليهم رحمات الله تعالى، وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – "مَن استرجع عند المصيبة، جبر اللهُ مصيبتَه، وأحسن عقباه، وجعل له خَلَفًا يرضاه"؛ الترغيب والترهيب للمنذري (4/256).
 
أنعم الله -عز وجل-  على الأمة الإسلامية الصبر على مصائب الدنيا و القدرة على التحمل، وحيث ورد عن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - قال "أُعطِيتْ أمتي شيئًا لم يُعطَه أحدٌ من الأمم، أن يقولوا عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون"؛ الجامع الصغير للسيوطي (1176).

اضافة تعليق