في اليوم العالمي للتسامح .. كيف نحقق التفاهم المتبادل بين الثقافات والشعوب؟ 

الخميس، 16 نوفمبر 2017 12:00 ص

ويعود مفهوم التسامح، الذي يبدو اليوم ضائعا وسط نيران المدافع وقصف الطائرات، إلى الواجهة في هذه المناسبة السنوية التي يحتفل فيها العالم بقيم ومعاني التسامح والاحترام المتبادل بين الأمم والحضارات، ويدعو إلى محاربة روح التعصب والانغلاق والكراهية، ترسيخا للسلم الأهلي والعالمي ودعما للمشترك بين الثقافات البشرية.

ولا يزال الحث على التسامح أمرا راهنا وملحا اليوم منذ أن اعتمدت الدول الأعضاء في اليونيسكو، بمناسبة العيد الخمسين للمنظمة في 16 نونبر 1995، إعلان مبادئ بشأن التسامح، يؤكد بالخصوص على أن التسامح لا يعني التساهل أو عدم اكتراث بل هو احترام وتقدير للتنوع الغني في ثقافات هذا العالم وأشكال التعبير وأنماط الحياة التي يعتمدها الإنسان. وينص إعلان مبادئ التسامح الأممي بالأساس على أن التسامح يعني في جوهره "الاعتراف بحقوق الإنسان للآخرين". وبما أن الناس متنوعون بطبيعتهم، فوحده التسامح قادر على ضمان بقاء المجتمعات المختلطة في كل مناطق العالم.
 
وأكدت مبادئ التسامح الواردة في "إعلان اليونسكو" أيضا على أن "هذا التسامح يتعزز بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد"، محددا مسألة التسامح ليس فقط كواجب أخلاقي، ولكن أيضا كشرط سياسي وقانوني للأفراد والجماعات والدول. كما أنه يربط قضية التسامح بالصكوك الدولية لحقوق الإنسان التي وضعت على مدى السنوات الخمسين الماضية، والتي تركز على أهمية مبادرة الدول إلى صياغة تشريعات جديدة عند الضرورة لضمان المساواة في المعاملة وتكافؤ الفرص لجميع الفئات والأفراد في المجتمع.
 
وسنة بعد الإعلان في 1996، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء إلى الاحتفال باليوم العالمي للتسامح في 16 نوفمبر من كل سنة عبر تنظيم أنشطة ملائمة توجه بشكل خاص نحو المؤسسات التعليمية لتلقين الأجيال الناشئة مبادئ التسامح وكذا إلى عامة الجمهور للتوعية والتحسيس بأهمية التسامح وعدم التعصب أمام الاختلاف مهما قل شأنه أو علا، 
 
وتعتبر الأمم المتحدة التمييز والتهميش، إلى جانب الظلم والعنف الصارخين، أحد الأشكال الشائعة للتعصب، ولذلك يجب أن تهدف التربية من أجل التسامح إلى درء التأثيرات التي تولد الشعور بالخوف من الآخرين واستبعادهم، كما ينبغي أن تساعد الشباب على تطوير قدراتهم لإصدار الأحكام المستقلة وتحفيز التأمل الناقد والتفكير الأخلاقي. 
 
مظاهر ومؤشرات كثيرة في العالم العربي تمتاز بالإيجابية وتمنح التفاؤل بأن دولا كثيرة تمشي في الطريق الصحيح، مثل الإصلاحات والتطويرات التشريعية والاجتماعية والسياسية التي تنتهجها السعودية وتؤيدها كل الجهات الداخلية والخارجية.
 
فعاليات ونشاطات كثيرة أقيمت منذ يومين وتقام الخميس في مختلف المدن والعواصم العربية تزامنا مع احتفالية اليوم العالمي للتسامح، ففي الرباط وفي هذه المناسبة، أصدرت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، نداء أبرزت فيه قيمة التسامح التي هي من القيم الإنسانية المثلى ودعامة من دعائم التعايش بين الأمم والشعوب.
 
وجاء في بيان الإيسيسكو أن الإسلام جاء بمبادئ الأخوة الإنسانية وبقيم التسامح والتعايش، ودعا إلى محاربة التعصب والكراهية والانغلاق، ترسيخا للسلم الاجتماعي والسلام العالمي، ودعما للعناصر المشتركة بين الثقافات الإنسانية، وأكد على حق الإنسان في أن يحيا بكرامة في كنف الحرية والعدالة، وينفتح على الآخر في إطار الاحترام المتبادل والاعتراف بحق الاختلاف.
 
وذكر البيان أن شعوب العالم التي تمر بمرحلة دقيقة من التطور الإنساني ومن المتغيرات المتلاحقة على شتى المستويات تتطلع إلى تعزيز قيم التسامح لتكون سياجا واقيا من الانغلاق والغلو والتطرف، موضحا أن مفهوم التسامح يتسع للقضاء على أسباب التوتر واضطراب الأمن وتهديد السلام، مؤكدا أن التسامح هو روح التعايش بين الأمم والشعوب على اختلافها في الأعراق والألوان والمعتقدات.
 
الإسلام جاء بمبادئ الأخوة الإنسانية وبقيم التسامح والتعايش، ودعا إلى محاربة التعصب والكراهية والانغلاق، ترسيخا للسلم الاجتماعي والسلام العالمي
 
وأكد البيان أن تعزيز قيم التسامح والتعايش والوئام بين الشعوب، هو مسؤولية مشتركة بين دول العالم، تتحمل القسط الأكبر منها القوى العظمى التي يتوجب عليها أن تكون وفية لقواعد القانون الدولي، وملتزمة بمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومحافظة على الأمن والسلم الدوليين.
 
وناشدت الإيسيسكو في بيانها المجتمع الدولي التدخل لوقف المجازر والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ترتكب في مناطق شتى من العالم، ودعته إلى المبادرة بنشر قيم التسامح لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى حلول في ظل احترام حقوق الإنسان والعيش المشترك.
 
كما دعا البيان إلى تعزيز الدور الذي تقوم به المنظمات الدولية والإقليمية ومنظمات المجتمع المدني، لنشر قيم التسامح من أجل التعايش، ولدعم التعاون والتنسيق في ما بينها، لتحقيق الأهداف المشتركة وإقامة نظام عالمي جديد على أساس من التسامح والقيم الأخلاقية المثلى والمبادئ الإنسانية السامية. وفي عمّان بالأردن استضاف منتدى الفكر العربي احتفالية خاصة باليوم الدولي للتسامح وبمناسبة اليوم العالمي للفلسفة، بالتعاون مع مركز «تعلم واعلم» للأبحاث والدراسات.
 
وأدار الاحتفالية وشارك فيها بكلمة الأمين العام للمنتدى محمد أبوحمور، الذي أكد أن الاحتفاء بهاتين المناسبتين يرتبط بصميم محتوى رسالة المنتدى وأهدافه ومشروعاته ومنطلقات خطابه الفكري، منذ تأسيسه قبل 36 عاما، وخاصة في ما يتعلق بدور الفكر في ترسيخ الوعي بالقضايا الأساسية في العالم العربي، ودراستها، وتعزيز الحوار حولها، والتعاون في معالجتها، واقتراح الحلول والخطط والتصورات المناسبة لمشكلاتها. وأشار المدير العام لمركز «تعلم واعلم» أحمد ماضي إلى أن للدولة أهدافا دنيوية، بينما هدف الدين هو خلاص النفوس ورعاية الأرواح. وقال إن التسامح لا ينبغي أن يقوم على أي تمييز مهما يكن، مبينا أن الفلسفة تضم أشخاصا يفكرون على أنحاء مختلفة، وينتمون إلى اتجاهات ومدارس متنوعة، لذلك تمتاز بأنها تعددية لا نلحظها في أي علم من العلوم الإنسانية أو الاجتماعية، إنها تتسع إلى الفلاسفة كافة، سواء اختلفوا أو اتفقوا.
 
وفي دبي تنظم شرطة دبي مسيرة مجتمعية الخميس، تضم نخبة من كبار الشخصيات في الدولة وعددا كبيرا من الجنسيات العربية والأجنبية، بالتعاون مع جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للتسامح، وهيئات من المجتمع، وتهدف المسيرة إلى تعزيز رسالة التسامح والتعايش، وترسيخ ثقافة تقبل الآخر على اختلاف التعددية والفكر والعقيدة والثقافة.
 
وفي إطار هذا اليوم، أكد الدكتور شوقى علام، مفتى الجمهورية، أن الإسلام دين التسامح والرحمة وأنه يدعو دائما إلى العيش المشترك والحوار مع الآخر باعتبار الحوار واجب ديني وضرورة إنسانية، وأن التعدد والتنوع دليل على قدرة الله تعالى وحكمته، مصداقا لقول المولى عز وجل " ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين".
 
وقال مفتى الجمهورية فى بيانه الذى أصدره اليوم الخميس بمناسبة اليوم العالمى للتسامح الذى يوافق 16 نوفمبر من كل عام: أن الدين الإسلامى يحترم التعدد والتنوع، حيث نبهنا المولى عز وجل إلى ذلك في قوله تعالى "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً  وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ"، مشددًا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين احترموا هذا التعدد والتنوع، ونظروا إليه نظرة تقدير واحترام .
 
وأوضح مفتى الجمهورية، أن التسامح الدينى والحوار والعيش المشترك بين أتباع الأديان ينبغي أن يكون أساسا في الانسجام واستيعاب الاختلاف وتحييد أسباب الصراع، ليتحول الاختلاف إلى ثراء وليس إلى عداء .
 
وأشار مفتى الجمهورية إلى أن الإسلام يؤكد على وحدة البشرية وإن تعددت شرائعهم ، وأن الله أمر رسوله بالإيمان بالرسالات السابقة، يقول الحق في كتابه " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" .
 
وأضاف مفتى الجمهورية، أن أهم الحلول لنشر التسامح الدينى والعيش المشترك تكمن فى تشجيع الخطاب الدينى المعتدل والموضوعي ويصاحبه النوايا الصادقة في نشر السلام، بالإضافة إلى الفهم العميق للآخر  وأهمية الإيمان بالشراكة الحضارية وان يكون الحوار ملمًا بالجوانب السياسية والفكرية والفنون والرياضة، مؤكدًا أن تلك الحلول من الممكن أن تساعد في نشر ثقافة التسامح والسلام والعيش المشترك.

اضافة تعليق