"إنك ما دعوتني ورجوتني".. اقتران مغفرة المولى بالدعاء 

الخميس، 16 نوفمبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
هذا الحديث يأسر القلب، ويأخذ بمجامع النفس، يستمطر الدمع، ويهيج في الوجدان مشاعر التوبة والرجاء، لتتلاشى معه أسباب اليأس والقنوط، إنه هتاف سماوي لو تردد في جنباتنا لأفاض عليها شوقا وحنينا إلى خير من مدت إليه الأيادي، ولهجت بذكره الألسنة، فيالها من موعظة، ويالها من تذكرة .
 
جاء الحديث، ليزف إلى الناس البشرى، فرحمة الله واسعة، وفضله عظيم، لا يقف عند حد، ولا يحصيه عد، فغدا هذا الحديث إبهاجا للتائبين، وأملاً للمذنبين، وفرصة لمن أسرف على نفسه بالمعصية، أو فرط فيما مضى من حياته، ولعل الإنسان يدرك بذلك سر المكانة التي حازها هذا الحديث دون غيره، حتى إن كثيرا من العلماء ليرون أنه أرجى حديث في السنة كلها .
 
 
 
وتتجلى معالم الحديث في بيانه لأسباب حصول المغفرة، ويأتي الدعاء في مقدّمة تلك الأسباب، والدعاء قربة عظيمة، وصلة مباشرة بين العبد وربه، وهي سلاح المؤمن الذي يتسلح به في الشدائد والكربات .
 
وحث الله تعالى على الدعاء في عدة مواضع من كتابه، فقال تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"، وقال سبحانه: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون"، بل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "من لم يسأل الله يغضب عليه".
 
بيد أن لهذه العبادة شروطاً ينبغي استكمالها، ليكون الدعاء جديراً بالإجابة، وأدعى للقبول، فمن ذلك: حسن الظن بالله، والرجاء والأمل بالمغفرة، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلّم في قوله: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه"، ولابد أن يكون لهذا الرجاء رصيداً من العمل الصالح، لا أن يكون مجرد أمنية وأحلاماً زائفة .
 
وإضافة إلى ذلك: فإن على المسلم حال دعائه أن يعزم في المسألة، ويجزم في الطلب، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإنه لا مكره له".
 
ثم ينتقل بنا المطاف إلى الحديث عن الاستغفار، وهو طلب الستر والتجاوز عن الذنب، وأثنى الله سبحانه وتعالى على المستغفرين في كتابه فقال: "والمستغفرين بالأسحار"، كما رتب حصول المغفرة عليه فقال: "ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما".
 
وعلاوة على ذلك، فإن للاستغفار مزيد فضل على غيره من العبادات، إذ لا تقتصر بركته على محو الخطايا وتكفير السيئات، بل يمتد خيره إلى السماء فتنزل أمطارها، وإلى الأرض فتنبت زروعها وثمارها، ويحصل به النماء في الذرية، والقوّة في العُدّة ، ولا أدلّ على ذلك من قوله تعالى: "فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا".
 
فمن هنا: لم يكن غريبا أن ترى الأمر بالاستغفار في كثير من الآيات الكريمات، ولم يكن غريبا أن يتكرر الاستغفار على لسان كثير من الأنبياء والمرسلين، بل كان نبينا صلى الله عليه وسلم يُعدّ له في المجلس الواحد مائة استغفار، كما ورد في سيرته.
 
ولا يكون الاستغفار صادقا إلا حين يصدر من قلب مؤمن مستحضر لجلال الرب وعظمته، نادم على ما كان منه من تفريط وتقصير، عازم على التوبة والإنابة، وإلا فهي توبة جوفاء، لا تنفع صاحبها .
 
ثم إن أعظم أسباب المغفرة وأجلّها تحقيق جوانب التوحيد، والإتيان به على أكمل وجه، وأعلمنا ربنا بذلك في كتابه حينما قال: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، فامتدح من كان إيمانه نقيا خالصا من عوالق الشرك، وبشرهم بالسلامة من دخول النار، ولا عجب في ذلك ، فإن الذنوب كلها تتصاغر أمام عظمة التوحيد ، ومن ثم تكفل الله تعالى لمن لم يشرك به شيئاً أن لا يعذبه، كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه: "وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يُشرك به شيئاً".

اضافة تعليق