"الأمن قبل الإيمان".. كيف أسس الإسلام للتعايش بين البشر؟

الأربعاء، 15 نوفمبر 2017 12:00 ص

 كما جعل الشرع توفير الأمن في المجتمع الإسلامي مقصد من أهم مقاصد الشرع الشريف، وهذا هو الذي فهمه سيدنا إبراهيم حين قدم في دعائه طلب الأمان على الإيمان حيث قال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35] ، وهذا المعنى الحنيفي هو الذي دعا نبي الله هارون إلى ترك التصدي لمن عصوا سيدنا موسى من اليهود باتخاذهم العجل مراعاة لأمر موسى عليه السلام له بوحدة الكلمة {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 92 - 94] 
 
وقد عَلَّمَنَا الله تعالى أن نقتديَ بالأنبياء ونتأسى بهم فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] 
 
فنحن مأمورون باتباع ملة سيدنا إبراهيم على جهة الخصوص، قال تعالى:  {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}
 
الأمن الاجتماعي
 
والأمن الاجتماعي هو الأساس الذي يبنى عليه الأمن الفكري والسياسي والاقتصادي، فهو يعد ضابط الإيقاع لكل لون من ألوان تنمية المجتمع، من خلال عدد من المرتكزات هي:
 
 أولها الترسيخ لقاعدة التعايش في المجتمع المعاصر، وهي أن "الأمن قبل الإيمان"، وقد يفهم بعض المتدينين هذه القاعدة على غير وجهها، فيفهم منها مثلا أننا نؤخر ما واجبه التقديم؛ حيث إن الإيمان هو سبب الأمن، فكيف نقدم الأمن عليه شرعا، وهو مؤخَّر عنه طبعا باعتباره نتيجة للإيمان، والنتيجة تلي السبب، ولا تتقدم عليه ؟ حتى قال محمد إقبال في حكمته:  
 
إذا الإيمان ضاع فلا أمان                               ولا دنيا لمن لم يحي دينا
 
وهو كلام صحيح في نفسه، يؤيده قوله تعالى:  ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. 
 
يقول الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء خلال مبحث له عن الأمن الاجتماعي، إن  المقصود من القاعدة أنه لا يجوز للإنسان تحت دعوى تحصيل الإيمان أو مقتضيات ذلك الإيمان أن يخل بالأمن؛ لأنه إذا أخل بالأمن كان ذلك أولا:  مخالفا للإيمان، وثانيا:  مضيعا للمؤمنين، وثالثا: مضيعا للحالة التي يتمكن فيها المؤمن من تأدية واجبات إيمانه.
 
ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النموذج المكي يرفض الدعوة إلى الصدام، ويرفض الهرج، ويرفض تعريض المجتمع لفتنة هوجاء تخل بأمنهم وتكر عليهم بعكس مرادهم من نشر الدين ودعوة الناس إليه، فيغدون وقد تصورهم المجتمع سببا في الخراب والتدمير، ويصدق فيهم قول المشركين.
 
فقد غضب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالة صاحبه التي دعت إلى مقايضة الإيمان بالأمن. قال الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنُ نَضْلَةَ لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ))لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ((.( )
 
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الكعبة المشرفة منصوبةً فيها الأصنام، فلم يهدمها، ولم يأمر بهدمها، مع أنها محض شرك.
 
وارتبط البيت الحرام في القرآن الكريم بالأمن على صورتين: أمن كوني، وأمن تكليفي شرعي.
 
 فأما الأمن الكوني الحقيقي، فهو منحة الله تعالى لهذا البيت على مر العصور، حتى أصبح مظهرا من مظاهر الحماية الربانية، ولم تزده الحوادث المعدودة التي حصلت فيه عبر التاريخ إلا حصانة وشموخا، ولم تؤثر في بقائه أمنا للناس وملاذا للخائفين، حيث قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}
 
بل ويقسم الله بالبيت الحرام من جهة أمنه فيقول: {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ}
 
ويقول جل شأنه ممتنا على ساكني الحرم الشريف: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [سورة القصص: 57] 
 
ويقول أيضا: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [سورة العنكبوت:  67] 
 
وقال أيضا: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}
 
والأمن الكوني هو أحد المعنيين في قوله تعالى{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] وذلك إذا فُهِمَت الآية على أنها خبر وليست إنشاء وأمرا.
 
ويأتي الأمن التكليفي الشرعي مبينا للتوافق والاتساق بين الكون والوحي، فإن الكون هو كتاب الله المنظور، والوحي هو كتابه المسطور، وكلاهما من عند الله، ذاك من عالم الخلق وهذا من عالم الأمر {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}.
 
فيأمر الله تعالى عباده أن يُؤَمِّنُوا من دخل الحرم على ما هو المشهور من معنى قوله تعالى:  {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} وذلك بتفسيره على أنه إنشاء وأمر جاء في صيغة الخبر. كما في قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]
 
ويقول تعالى:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:  2] 
 
بل يقول القرآن في إقراره للأمن التكليفي ما تجاوز به الأفعال والنوايا والعزائم فيجعل مجرد إرادة الإفساد في الحرم كبيرةٌ من كبائر الذنوب تستوجب العذاب الأليم فقال {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:  25]
 
 [النحل:  123]
 
فيجب أن تكون القاعدة "الأمن مقدم على الإيمان" -بما شرحناه من مقصد أو مفهوم- أمرا نتفق عليه، وذلك لأن الجماعات المتطرفة -التي نشرت الإرهاب في العالمين ونسبته زورا وبهتانا لدين الإسلام- ترى التضحية بأمن الناس وسلمهم ومعايشهم وما عمروه في الأرض لأجل أوهام وسدوم تصوروها دينا وعقيدة.
 
فنحن نقول لهم إن أمن المجتمع واستقراره هو الموطن وهو السبيل إلى تمسك الناس بدين الله وسيرهم في نهجه، أو اتباعه والدعوة إليه، وإن ما تشيعونه من خراب ودمار لن يجني المسلمون من ورائه إلا العنت والمشقة، وكراهية العالمين لهم ولدينهم.
 
ولقد امتد هذا الهاجس إلى بعض العلماء، فتراهم يدعون إلى تدمير الأمن الاجتماعي من أجل تغيير منكر، ربما لا يكون هذا المنكر محل إجماع، بل هو مختلف فيه، ويتناسون القضايا العقائدية والشرعية العظيمة التي عليها مبنى الدين ومستقره.
 
تراهم يهيجون الشباب الصغار قليلي العلم حتى يقدموا على تغيير المنكر الذي اطلعوا عليه بأيديهم، متجاوزين حق الإمام في سياسة أمور الدولة، والدين داخل في النظام العام للمجتمع، وما وقعنا في كل ذلك إلا بتجاوزنا هذه القاعدة التي بمقتضاها نقدم الأمن الاجتماعي على الأمن الديني أو الشرعي، قال الإمام الغزالي في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد": نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا. ( ) اهـ. 
 
ويقول الماوردي: اعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين؛ أولهما: ما ينتظم به أمور جملتها. والثاني: ما يصلح به حال كل واحد من أهلها. ( )
 
الفكرة الثانية:  هي أن الأمن الاجتماعي أمر مركب ومعقد، ولا بد لدراسته والتعامل معه من منظومة مركبة بإزائه، تشترك فيها الحكومة، وجمعيات العمل الأهلي، والمؤسسات المختلفة [المدرسة-المسجد-الإعلام....] معا، وأن واحدة من هذه المنظومة لا تكفي وحدها، كما يجب أن تكون منظومة شاملة تهتم بالداخل والخارج، ولا يكفي الاهتمام بجانب دون آخر، ومن هنا كان الاهتمام بقضايا العالم جزءا لا يتجزأ من الأمن الاجتماعي.
 
ويتبع هذه الفكرة استعمال التجارب والخبرات التي نجحت عبر التاريخ كالوقف، والتنمية المستدامة، في القيام بواجب الأمة مع الدولة سوءا في مجال الصحة والتعليم والبحث العلمي، والتكافل الاجتماعي من رعاية المسنين، والمشردين، واليتامى، والأرامل، والمعوقين، وشؤون الحياة كالفنون والآداب والعمارة والرياضة.
 
وأساس العمل الأهلي الناجح في تنمية المجتمع وتأمينه هو توفير أدوات الإنتاج ومعطياته للفقير والمحتاج حتى يعمل وينتج ويتكفل بنفسه وينتقل من دائرة العوز إلى دائرة الغنى، بالإضافة إلى الكفالة لمن فقد مقومات العمل تماما، يجب على المجتمع حفظ كرامته وضرورياته.
 
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ فَقَالَ: ((أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ)). قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ: ((ائْتِني بِهِمَا)).
 
فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ وَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ)). قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. قَالَ: ((مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَم)). مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ. فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: ((اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِني بِهِ)). فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا)). فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا. 
 
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ)). [رواه أبو داود والترمذي]
 
الفكرة الثالثة:  هي المطالبة بالمزيد من إطلاق يد الجمعيات الأهلية والمؤسسات الخيرية للقيام بدورها؛ لأن كثيرا من القوانين والإجراءات تعيقها عن أداء واجبها، وحين ننظر إلى أمريكا مثلا نجد فيها أكثر من مليون ونصف مؤسسة خيرية؛ مما يُكْسِبُ مجتمعهم ثراء كبيرا في خدمة الإنسان، والحمد لله أن الدستور الجديد لمصر لم يغفل مثل هذه التعقيدات البيروقراطية فنص على أن تأسيس جمعيات العمل المدني بمجرد التسجيل والإخطار.
 
وهناك علاقة وطيدة في المفهوم الإسلامي بين الأمن الاجتماعي وتحقيق التعايش السلمي بين أفراد المجتمع، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:  82] 
 
وصرح النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث عن هذا الترابط بين الأمن والإيمان فقال فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ)).( )
 
والإيمان هو أعظم السبل لإقرار السلام الاجتماعي، فإن الإيمان عقد قلبي، ومن المسلم به في علم الاجتماع أن الممارسات البشرية والعلاقات الاجتماعية المنبثقة عن الاعتقادات أكبر فاعلية وتأثيرًا، وأقدر على الدوام والاستمرارية من غيرها، ولذلك عد الفلاسفة المعتقدات ضرورة اجتماعية، كما في نظرية سوق المعتقدات الدينية وفق المنفعة والتي يعبر عنها المفكر الإنجليزي جون جيرمي بنتام (1748-1832م) في كتابه" أصول الشرائع"
 
والأمن والسلام في الإسلام مبدؤهما من داخل الإنسان لا من خارجه؛ فبقدر ما يمتلئ الإنسان في داخله الاطمئنان والسلام بقدر ما يعم على من حوله ويفيض بالأمن والرحمة، والإيمان بالله تعالى هو الذي يحقق الأمن الداخلي، والأمن الداخلي ينعكس على أمن الشخص الخارجي، وبالتالي على أمن المجتمع الخارجي.
 
فالإيمان بالله يجعل صاحبه يبحث عن مراضي الله تعالى ليأتي بها، وعن مساخطه لينتهي عنها، وأما أهل الفجور فإنهم لا يأبهون لمراقبة الله ولا يحرصون على اتباع أوامره، قال تعالى:  {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} [الأعراف: 97].
 
والأمن في الشريعة الإسلامية يلتمس في المقاصد الخمسة الكبرى وهي: حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال. والتي تتغيا توفير الأمن والأمان للمكلف حتى يستطيع أن يقوم بما كلفه الله تعالى به من عبادة وعمارة وتزكية على الوجه الذي يحقق مراد الله تعالى من خلقه، ونحن نصحح تقديم حفظ النفس والعقل على حفظ الدين في ترتيب تلك المقاصد، لأن الحفاظ عليهما هو سبب وعلة في حفظ الدين، ولا يمكن أن يحقق الدين مراده وغايته ويبسط ظلاله الوارفة على المجتمع إلا بتأمين النفس ثم العقل والحفاظ عليهما، ويدل على ذلك أن الشرع جعل فقدان العقل مانعا من موانع التكليف، وجعل فقدان الأمن عذرًا للمكلف في ترك بعض الأحكام الشرعية أو تخفيفها.
 
إن الدين يدعونا إلى الإيمان بالمطلق والقيم الفاضلة وموازين العدالة والحق التي لا تتبدل بتبدل الأعراف أو المصالح أو أنماط الحضارة المختلفة، وهو ما عبر عنه المتكلمون في علم التوحيد بقولهم: "حقائق الأشياء ثابتة، والإيمان بها متحقق". وهذا من شأنه أن يشكل شخصية المسلم التي تجمع بين الواقعية والمثالية، بين الثبات والمرونة، وبين المعرفة والإيمان بالغيب والشهادة على حد سواء. حيث قال تعالى واصفا عباده المتقين: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 2-3]

اضافة تعليق