"البخل يقتل صاحبه".. حالة نفسية أم شهوة خارجة عن الإرادة؟

الإثنين، 13 نوفمبر 2017 12:00 ص

فالبخيل محروم في الدنيا مؤاخذ في الآخرة، وهو مكروه من الله عز وجل مبغوض من الناس، ومن هنا قال القائل: جود الرجل يحببه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده
 
وقال آخر: البخل هو محو صفات الإنسانية وإثبات عادات الحيوانية
 
 ومُدحت امرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: صوّامة قوّامة، إلاّ أن فيها بخلاً. قال: "فما خيرها إذًا" .
 
وتتسع دائرة البخل حتى تشمل امتناع المرء عن أداء ما أوجب الله تعالى عليه فترى البعض يبخل بنفسه وماله ووقته، وقد يمتنع عن تأدية حقوق الله أو النفس أو الخلق، قال الجاحظ: البخل خُلقٌ مكروه من جميع الناس إلاّ أنه من النساء أقل كراهية، بل قد يستحب من النساء البخل (بمال أزواجهن إلاّ أن يؤذن بالجود) فأما سائر الناس فإن البخل يشينهم وخاصة الملوك والعظماء، فإن البخل أبغض منهم أكثر مما هو أبغض من الرعية والعوام ويقدح في ملكهم؛ لأنه يقطع الأطماع منهم، ويبغضهم إلى رعيتهم".
 
والشح أشد في الذم من البخل ويجتمع فيه البخل مع الحرص، وقد يبخل الإنسان بأشياء نفسه، وأشد منه دعوة الآخرين للبخل، قال تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ}
 
ويصل البخل بصاحبه إلى أن يبخل على نفسه، بحيث يمرض فلا يتداوى، وفي المقابل فأرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه، وجاءت هناك العديد من النماذج على الأشخاص البخلاء الذين قد يعيشون كامل حياتهم بحرمان أنفسهم من التمتع بالحياة والذات بما حدده الله عزوجل لتحزين هذه الأموال.
 
ويكون البخل مرض نفسي يحتاج لعلاج، فالبخيل هو الممسك عن الإحسان وهو ضد الكرم ،وقال رسول الله (ص) "ثلاث مهلكات وثلاث منجيات وثلاث كفارات وثلاث درجات، فإما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه"، هذا ما بدأ به الدكتور أحمد هارون، مستشار العلاج النفسي وعضو الجمعية العالمية للصحة النفسية حديثه عن البخل حيث ذكر أنه في أكثر الصور التقليدية وأشهرها ظهوراً بخل المادة وبخث الحقوق، وبُخل الأغنياء أقبح من بخل غيرهم والشُح على الأبناء والأقارب والضيوف أبشع من الشح مع غيرهم.
 
ونفسياً، البخيل أشد الناس عناء وشقاء، يكدح في جمع المال والزاد ولا يستمتع به، وسرعان ما يتركه لورثة طالما حرمهم منه، فيعيش في الدنيا فقيراً وفي الآخرة يحاسب أشد الحساب.
 
وعن الدوافع النفسية للبخل قال الدكتور هارون، إن كثير من الدراسات والبحوث النفسية أشارت إلي أن البخل نوع من أنواع ضلالات الإضطهاد والشك أن الفرد يشعر فيها أنه سوف يحتاج إلي كل قرش يمتنع الآن عن صرفه وأن من حوله سوف يبخلون عليه حين يكبر في السن أو يمرض أو يلازم الفراش فيقرر هو البخل عليهم قبل أن يبخلوا هم عليه في المستقبل.
 
فإن البخل سلوك نفسي فوضوي لا عقلاني وهو أقرب للوساوس فهناك وساوس الاستحواذ ومنها الاستحواذ على المال، وقد سمى الوسواس في بعض الدراسات حواذ (استحواذ) فيُفترض أن يكون صاحب المال غنياً ومعبراً عن غناه.
 
الآيات تذم البخل: 
 قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
 
 وقال: {الذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا}.
 
وفي معرض ذم المنافقين قال سبحانه: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لئِنْ آتَانَا مِِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقنَّ وَلَنكونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهم من فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلّوا وّهُم مُّعْرِضونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَه بما أَخْلَفوا اللهَ مَا وَعدُوهُ وبِما كانوا يَكْذِبُونَ}.
 
وبين جل وعلا أن عائد البخل إنما هو على النفس، فقال: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.
 
 وقال سبحانه: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}.
 
 وفي بيان مغبة البخل قال سبحانه: {وَأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى * وَكذَّبَ بالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ للعُسْرى}.
 
بعض الأحاديث الواردة في ذم البخل:
كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنِّي أعوذُ بك من الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكسَل، والبُخْلِ والجبنِ، وضلع الدّين، وغَلَبَة الرِّجَالِ" 
 
وورد عند الطبراني: "إنّ أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسّلامِ".
 
وعن يَعْلى بن مُنَبِّهٍ الثَّقفيّ رضي الله عنه قال: جَاء الحسنُ والحسين يستبِقان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضمّهما إليه ثم قال: "إنَّ الولد مَبْخلَةٌ مجبَنَةٌ محزَنَةٌ".
 
وعن حسين بن عليّ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البخيل من ذُكِرْتُ عنده ثمّ لم يُصَلِّ عليَّ".
 
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: خَرَجتُ ذات يوم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا أُخْبرُكُم بأبْخل النّاس؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "مَنْ ذُكِرْتُ عنده فلم يُصَلِّ عَلَيَّ، فذاك أبخل الناس".
 
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظلم ظلُمات يومَ القيامة، وإيّاكم والفُحش، فإنَّ الله لا يُحبّ الفحش ولا التّفحّش، وإياكم والشُّحّ، فإنّ الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبَخِلوا، وأمرهم بالفجور ففجَرُوا".
 
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يأمر بهؤلاء الخمس ويُحدِّثهن عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجُبن، وأعوذ بك أن أُردَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر".
 
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل له مال لا يؤدي حقّ ماله إلاّ جعل له طوقًا في عُنُقه شجاع أقرع وهو يفر منه وهو يتبَعُهُ" ثم قرأ مصداقه من كتاب الله عز وجل: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ}.
 
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لا أقول لكم إلاّ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها".
 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يأتي ابن آدم النّذْرُ بشيءٍ لم يكن قُدّرَ له، ولكن يُلْقِيهِ النَّذرُ إلى القَدَرِ قد قُدِّرَ له، فيستخرج اللهُ من البخيل فيؤتى عليه ما لم يكن يُؤْتى عليه من قبل".
 
وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكاثُرُ} قال: "يقول ابن آدم: مالي، مالي. قال: وهل لك يا ابنَ آدم من مالكَ إلاّ ما أَكَلْتَ فأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أو تصدَّقْتَ فأمْضَيْتَ؟".

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ مُنجيات: خشية الله تعالى في السّرِّ والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاث مُهْلِكاتٌ: هَوَىً مُتَّبع، وشُحٌ مُطاع، وإعْجابُ المرء بنفسه".
 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شَرُّ ما في الرجل: شُحٌّ هالعٌ، وجُبْنٌ خالع".
 
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قالت هند أم معاوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليّ جُناحٌ أن آخذ من ماله سِرًّا؟ قال: "خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف".
 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يُصبح العباد فيه إلاّ ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفِقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تَلفًا".
 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتقارب الزمان، وينقص العمل ويُلقى الشُّحُّ، ويكثر الهرجُ" قالوا: وما الهرجُ؟ قال: "القتلُ القتلُ".
 
بعض الآثار في ذمّ البخل:
قال علي رضي الله عنه: إنه سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسرُ على ما في يده ولم يُؤْمر بذلك. قال الله تعالى: {ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بيْنَكُم}.
 
وقال طلحة بين عبيد الله رضي الله عنه: إنّا لَنَجِدُ بأمْوالنا ما يجدُ البخلاء لكننا نتصبّرُ .
 
وقال عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما لرجل قال له: تُماكسُ في درهم وأنت تجودُ من المال بكذا وكذا؟ فقال: "ذاكَ مالي جُدْتُ به، وهذا عقلي بَخِلْتُ به.
 
قال أبو حنيفة:" لا أرى أن أُعَدِّلَ بخيلاً؛ لأن البخل يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفةً من أن يُغْبَنَ، فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة".

اضافة تعليق