شُعب الإيمان.. الصدق

الإثنين، 13 نوفمبر 2017 12:00 ص

ويعتبر الصدق هو الخبر عن الشيء على ما هو به، وهو نقيض الكذب، وحيث قال القرطبي الصّدّيق هو الذي يحقق بفعله ما يقوله بلسانه، وكما أنه يُعد مطلب أساس في حياة المؤمن، وهو رأس الفضائل، وعنوان الصلاح والفضل، وكما أثنى الله تعالى على مَن لزمه فصار له خُلقًا؛ فقال سبحانه "وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ "(الحديد: 19).
 
يتميز أهل النفاق من أهل الإيمان بالصدق،  ويجزون بالجنان كل من اعتمد عليه واتخذه سمة، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته وظهرت حجته، وكما أمر الله تعالى به فقال سبحانه "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ " (التوبة: 119).
 
ورد عَنْ عَبْدِاللَّهِ -رضي الله- عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ".
 
وكما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: الصدق أمانة، والكذب خيانة، ولما كان حمل النفس على الصدق في جميع أمورها شاقا عليها، ولا يمكن لعبد أن يأتي به على وجهه إلا بعون الله وتوفيقه، أمر الله نبيه أن يسأله الصدق في المخرج والمدخل، فقال -عز وجل- "وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا " (الإسراء: 80).
 
ويعتبر الصدق من صفات الله عز وجل، كما ورد في آيات الذكر االحكيم قول سبحانه: "قُلْ صَدَقَ اللَّهُ "، وكذلك " وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا "، وأيضًا" وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا "، وكذلك يعتبر الصدق من صفات الأنبياء والرسل، ويتبين في قول الله تعالى "هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ". 
 
عُرف الرسول -صلى الله عليه وسلم-  بذلك حتّى قبل البعثة، وكان لذلك يلقّب بالصّادق الأمين، واشتهر بهذا وعرف به بين أقرانه، وأما بعد البعثة المباركة كان تصديق الوحي له مدعاة لأن يطلق عليه أصحابه "الصّادق المصدوق"، وصدق الله- عزّ وجلّ- إذ قال"مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" (النجم: 2 – 4).
 
كما أن الصدق من صفات المتقين؛ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ. 
 
ويتمثل الصدق في مجالات عديدة ومنها الصدق مع الله "فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ " (محمد: 21)، وكما أن الصدق مع الله يقتضي من العبد أن يسعى جاهدًا؛ فيما يرضي ربه سبحانه، من أعمال وأقوال وأحوال؛ قال سبحانه: " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا "، وكذلك الصدق في الأحوال؛ في النيات، وهذا يستلزم أن تكون بواعث الأعمال والأقوال كلها لله عز وجل، وأن يكون ظاهر العبد معبرًا عن باطنه. 
 
الصدق في الأحوال يقتضي حسن الانقياد والإذعان، والخضوع والإخلاص، والخوف والرجاء، والرضا والتوكل والمحبة والحياء، والإجلال، والتعظيم لله وحده، وكما قال الله -عز وجل-"وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" (البينة: 5).
 
ومن بين ذلك الصدق في القول يستوجب على المسلم أن يحفظ لسانه فلا يتكلم إلا بصدق ولا ينطق إلا بحق؛ فأحسن الكلام ما صدق فيه قائله، وانتفع به سامعه، حيث أن الصدق في القول مطلوب وواجب في الشهادات والتزكيات وغيرها، كما قال الله عز وجل"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " (النساء: 135).
 
الإتقان في كل عمل صالح يقوم به المسلم، بأداء الأعمال والحقوق كاملة مُوَفّرة، فلا بخس ولا غش ولا خداع ولا ظلم؛ فبهذا يؤدي المسلم عمله على خير وجه، ويحسن إلى نفسه فلا يلحقه تبعة في عمله، ويحسن إلى الآخرين بتوفيهم حقوقهم.
 
إن العلاقات الاجتماعية، والمعاملات الإنسانية، تعتمد على شرف الكلمة وصدقها، وكما أن الثقة بشرف الكلمة وصدقها لتفككت معظم الروابط الاجتماعية بين الناس، ولكي تتواجد صور التعاون والتلاحم بين أفراده.
 
ويعتبر الصدق صفات الصادقين، وحيث أنهم أهل إيمان وإحسان وصبر وتقوى، وحيث ورد في آيات الذكر الحكيم "لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " (البقرة: 177).
 
وعندما يتمكن الصدق من القلب سطع عليه نوره، وظهرت على الصادق آثاره، في عقيدته وعبادته، وسلوكه، ومن آثاره وفوائده أن الصادق خير الناس، كما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلنا يا رسول الله؛ من خير الناس؟ قال: خير الناس ذو القلب المخموم، واللسان الصادق. قيل: ما القلب المخموم؟ قال: هو التقي النقي، الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد. قيل: فمَن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة، قيل: فمَن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن.
 
وكما أن إجابة الدعاء، وإدراك الأجر الكثير من الله تعالى وإن عجز العبد عن العمل الذي نواه بصدق، حيث ورد عن سَهْل بْن أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ"مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ".
 
أن يحصل المرء الصادق على البركة في البيع والشراء؛ فعن حَكِيم بْن حِزَامٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ"البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا".
 
وكما يُخلق طمأنينة القلب والنفس، كما ورد عن الحسن بنِ عليِّ بن أبي طالب -رضي الله عنهما-، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ". اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه.

اضافة تعليق