هل أصبحت اللغة العربية في مواجهة "الفرانكو أرب".. فمن المتنصر ؟ 

السبت، 11 نوفمبر 2017 12:00 ص

واللغة هي الترسانة التي تحمي الأمة وتحفظ هويتها وكيانها ووجودها، وتحميها من الضياع والذوبان في الحضارات والأمم الأخرى، وتعد اللغة العربية هي سيدة اللغات، فلا تجاريها أو تعادلها أي لغة أخرى في الدق، واللغة العربية هي هوية ولسان الأمة العربية.  
 
إذ أن أول من فُتق لسانه بالعربية المبينة، وهو ابن أربع عشرة سنة ونَسِي لسان أبيه، أما البعض الاخر فيذهب إلى القول أن العربية كانت لغة أهل الجنة2، إلا انه لا وجود لبراهين علمية ترجح أي من تلك الادعاءات، وفي  المنهج العلمي وعلى ما توصلت إليه علوم اللسانيات والآثار والتاريخ، فإنه هناك لغتين تفرعت عنهم سائر اللهجات العربية، هما لغة الجنوب ولغة الشمال، ترجع أقدم النقوش العربية الجنوبية إلى الحميرية والمعينية والسبأية والقتبانية القدامى، أما العربية الشمالية فهي الأقرب للآرامية. 
 
ولكن انتشرت، مؤخرًا، لغة "الفرانكو" على مواقع التواصل الاجتماعى بين فئات الشباب، وهذه اللغة عبارة عن خليط بين اللغة العربية والإنجليزية لكنها تكتب بأحرف وأرقام لاتينية ونجد أن "رقم 3 يعبر عن حرف العين، و5 حرف الخاء، وال 7 حرف الحاء ،وال 8 حرف الغين"، وأصبحت الآن بمثابة ظاهرة فى مصر والبلدان العربية، وكانت هناك بعض حملات التوعية ضد لغة الفرانكو آراب مثل "كفاية فرانكو" ، "اكتب عربى وغيرها. 
 
وأطلق الشباب على هذه اللغة «الفرانكو آرب» أو «العربيزى»، وهى أبجدية مُستحدثة غير رسمية، ظهرت منذ بضع سنوات، وأصبحت تُستخدم على نطاق واسع بين الشباب في الكتابة عبر برامج الدردشة على الإنترنت في المنطقة العربية، وتُنطق هذه اللغة مثل العربية تمامًا.  
 
وتشير الإحصائيات إلى أن هذه اللغة أفرزت إلى الآن مئات المدونات الشخصية والنصوص الأدبية والنثرية المكتوبة بها، ويُسوِّغ الشباب اعتمادَهم على هذه اللغة بأنها أصبحت شائعةً ومستعملةً في صفحات التواصل ومفهومةً من القراء، وأن كثيرًا من أنظمة تشغيل الحواسب ومتصفحات الشبكة لا تدعم استعمال اللغة العربية؛ لأسباب تقنية أو جغرافية، وهذا يعود بمسئولية التعريب إلى الشركات التقنية العربية ومهندسي الحواسيب والمعلوماتية. 
 
وترتبط المشكلة بأمرين أكثر عمقًا، هما كون اللغة الإنجليزية اليوم هي اللغة الأولى في مواقع الشبكة العنكبوتية وبرامج الحاسب، وأنها لغة العلم والثقافة، وهذا قضى بأن يكون استعمال الشباب الحرف اللاتيني أكثر من استعمالهم الحرف العربي، وهي مرتبطة أيضًا بأزمة الهُوية العربية والإسلامية عند الشباب، وبحجة التقارب بين الحضارات الغربية والشرقية والعربية، لاسيما أن أول ظهورها في البلاد العربية كان بين طلاب المدارس الأجنبية الذين لا يتقنون الإنجليزية ولا العربية، فوجدوا فيها بديلاً عن الإنجليزية التي لم يتمكنوا من إتقان قواعدها وأساليبها، فاستكانوا إلى أحرفها فحسب، والمؤسف أن هذه اللغة الهجينة هي أسهل عند بعض الطلاب العرب من العربية؛ إذ هناك من يكتب دروسه وملاحظاته، بهذه اللغة، وكله على حساب لغتهم الأصلية، وهي اللغة العربية. 
 
ولا تعد هذه اللغة كونها «تقليعة شبابية»، استغلتها بعض وسائل الإعلام الداعمة للعاميات والتغريب، ووظفت لها أهدافًا تجاريةً أيضًا، من خلال إعادة نشر أعمال أدبية عربية بهذه اللغة دون احترام لحُقوق كاتبيها، ولن تستمر هذه اللغة؛ لأنها ولدت تحمل معها بذور انكماشها؛ فقد انتشرت بلا قواعد تضبطها، وارتبطت إلى حد كبير بالطبقة المُترفة في المجتمعات العربية، خلافًا للطبقات الأخرى التي تمثل أغلبية المجتمع العربي. 
 
وعلى الجانب الآخر، استطاعت إسرائيل أن تحيي لغتها العبرية بعد موات طال، وترجمت إليها عدد من الكتب، يفوق عدد الكتب التي ترجمتها الدول العربية مجتمعة، منذ عصر الخليفة المأمون صاحب العصر الذهبي للترجمة للعربية وحتى الأن، بينما نحن نُميت لغتنا العربية بالتحدث فيما بيننا بالإنجليزية، نختار اسماء أجنبية للمحلات، كل الإعلانات أعلى كوبري اكتوبر بالإنجليزية وكأنها تخاطب أجانب، أما شبابنا فيكتبون العربية بالحروف الإنجليزية "فرانكو" أمة القرآن تتملص من لغة القرآن، ثم يتسألون عن أسباب الهزيمة الحضارية.
 
ولم تنل هذه الظاهرة حقها من الدراسة إلا في بعض المقالات العامة، ولم تُفرد لعلاجها بحوث علمية جادة، وزاد الأمر سوءًا أن انتقلت هذه الظاهرة إلى الإعلام المرئي، فصارت بعض البرامج الترفيهية والدينية ذات الجمهور الشبابي تخط عناوينها وأسماء القائمين عليها بهذه الأحرف، وهذا مؤشر سيئ جدًا؛ لأنه يرسخ هذه الظاهرة بين الشباب، وينقلها من الإعلام الإلكتروني إلى الإعلام المرئي ذي الجمهور الأوسع، ولأنه يشي بعدم تنبه الإعلاميين إلى خطورة انتشار هذه الظاهرة وشيوعها بين الشباب، وما تَحمله من معاول لهدم العربية وأحرُفها وفصاحتها. 
 
وينظم مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية برنامجاً متكاملاً بعنوان: "لغة الشباب العربي في وسائل التواصل الحديثة: اللغة الهجين، العربيزي، الفرانكو" ضمن فعاليات الاحتفاء بالعربية في يومها العالمي، وتأتي هذه المبادرة ضمن برنامج شامل، يتضمن حلقة نقاشية متخصصة يدعى لها عدد من البارزين في عدد من العلوم (اللغة/ الاجتماع/ النفس/ الحاسوب) تُناقش فيها رؤى الشباب والشابات إضافة إلى البحوث والدراسات التي يتضمنها الكتاب الذي يعمل عليه المركز، حيث استكتب عدداً واسعاً من الباحثين والباحثات في أنحاء العالم العربي لدراسة هذا المنحى اللغوي، والخروج بالتوصيات العلمية الدقيقة التي تفيد اللغة العربية من مختلف التخصصات، وقام المركز بإعداد استبانة يستطلع من خلالها مدى استخدام الشباب للعربيزي وغيرها من لغات الشباب في وسائل التواصل الحديثة.

اضافة تعليق