العلماء في زمن الفتن.. الأدب عند الحاجة والإخلاص عند الإجابة

الجمعة، 10 نوفمبر 2017 12:00 ص

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "ليس من من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا"، كما وضع النبي صلى الله عليه وسلم شروطا لطالب الفتوى الشرعية، ووضع أدابا للتعامل مع العلماء، ونظم علاقة السائل بالمسئول، لكي تنتظم عملية الفتوى، وطلب العلم.

الاستفتاء:
 
الاستفتاء لغة: طلب الجواب عن الأمر المشكل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا﴾ [الكهف: 22].
 
وقد يكون بمعنى مجرد سؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآ﴾ [الصافات: 11].
 
واستفتاء العامي الذي لا يعلم حكم الحادثة واجب عليه، لوجوب العمل حسب حكم الشرع، ولأنه إذا أقدم على العمل من غير علم فقد يرتكب الحرام، أو يترك في العبادة ما لا بد منه، قال تعالى ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
 
قال الإمام الغزالي: العامي يجب عليه سؤال العلماء؛ لأن الإجماع منعقد على أن العَاميَّ مكلف بالأحكام، وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محال؛ لأنه يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطل الحرف والصنائع، وإذا استحال هذا لم يبق إلا سؤال العلماء ووجوب اتباعهم.
 
وقال النووي: من نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها، أي وجب عليه الاستفتاء عنها، فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت داره، وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام.
 
فإذا لم يجدِ المكلفَ من يفتيه في وَاقعتِهِ يسقط عنه التَّكليف بالعمل إذا لم يكن له به علم، لا من اجتهاد معتبر ولا من تقليد؛ لأنه يكون من بَابِ التَّكليفِ بما لا يطاق، ولأن شرط التكليف العلم به، وقياسًا على المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة وتكافأت فلم يمكنه الترجيح، ويكون حكمه حكم ما قبل ورود الشرع، وكمن لم تبلغه الدعوة( ).
 
 
 
شروط المفتي وآداب المفتي والمستفتي.
 
 
 
آداب المستفتي:
 
المستفتي: هو الذي نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها، أي وجب عليه الاستفتاء عنها، ليعرف الحلال من الحرام خشية الوقوع في الزلل.
 
فكل من لم يبلغ دَرَجَة الْمُفْتِي فَهُوَ فِيمَا يسْأَل عَنهُ من الأَحكَام الشّرعِيَّة مُستفتٍ مقلِّد من يفتيه، وَالْمُختَار فِي التَّقلِيد أَنه قبُول قولِ من يجوز عَلَيهِ الإِصْرَار على الخَطَأ بِغَيْر حجّة على عين مَا قبل قَوْله فِيهِ، وَيجب عَلَيْهِ الاستفتاء إِذا نزلت بِهِ حَادِثَة، يجب عَلَيهِ علم حكمهَا فَإِن لم يجد بِبَلَدِهِ من يستفتيه وَجبَ عَلَيهِ الرحيل إلى من يفتيه وَإِن بَعدت دَاره، وَقد رَحل خلائق من السَّلف فِي المسأَلَةِ الوَاحِدَة اللَّيَالِي وَالأَيَّام
 
 ومن آداب المستفتي حفظ الأدب مع المفتي: فينبغي على المستفتي أن يتأدب مع المفتي، ويبجله، فالمفتي عالم في الدين، ومتخصص في الشريعة الإسلامية، فعلى العامي إذا ذهب إليه ليتعلم أمرًا من أهل الاختصاص مراعاة الأدب، واعتبار منزلتهم في تخصصهم، وقد رفعهم الله بقوله ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [المجادلة: 58].
 
ومن آداب المستفتي عدم الإصرار على مطالبة المفتي بالحجة والدليل: فقد اختلف الفقهاء هل للمستفتي أن يطالب المفتي بالحجة والدليل؟ والراجح أنه لا ينبغي للمستفتي أن يطالب المفتي بالدليل.
 
قال النووي: "وينبغي للعامي أن لا يطالب المفتي بالدليل،‏ ولا يقل:‏ لم قلتَ‏؟‏ فإن أحبَّ أن تسكن نفسه لسماع الحجة طلبها في مجلس آخر،‏ أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة".‏
 
ومن آداب المستفتي عدم الإكثار من السؤال في غير فائدة: فيكره كثرة السؤال، والسؤال عما لا ينفع في الدين، والسؤال عما لم يقع، فالسؤال عمَّا لا ينفع دليل فراغ القلب من ذكر الله، وضعف تقواه، وإضاعة للوقت واشتغاله بسفاسف الأمور.
 
وكان الصحابة إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه، وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع، ويقولون للسائل عنها: أكان ذلك؟ فإن قال لا؛ قالوا: دعه حتى يقع ثم نجتهد فيه.
 
ومن آداب المستفتي أن لا يسأل المفتي وهو قائم أو مشغول بما يمنعه من تمام الفكر، وأن لا يقول إذا أجابه: هكذا قلت أنا.
 
ومن آداب المستفتي اختيار المفتي الأعلم والأتقى فيجب على المستفتي ألا يَستَفْتِي إلا من هو أهلٌ للفتوى، قال تعالى ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
 
وتتمتع مصر -كنانة الله في أرضة- بدَارِ الإِفتاءِ المصريَّةِ الغنية بالعلم والمعرفة والفقه، وأهل العلم أيضًا والفقه بما يرفعها بين كافة الديار المماثلة.
 
فهذه بعض الآداب التي ينبغي على المستفتي أن يعمل بها من أجل الحصول على إجابة فتواه دون تقصير أو إفراط، فالواجب في طَلبِ الفتوى هو الالتزام بما يوصل إلى صحتها.
 
 
 
شروط المفتي:
 
حتّى يستطيع أن يكون العالم مفتيًا، ويصدر أحكامًا شرعيَّة يسير عليها النَّاس في حياتهم، فلا بد أن يتمتع بصفات معيَّنة وشروط مميزة منها:
 
-           أن يَكُونَ محيطًا بمدارك الشَّرع، مُتمكنًا من استثارة الظن، بالنظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يجب تأخيره.
 
-           أن يَكُونَ عدلًا، مُجتنبًا للمعاصي القادحة في العدالة أن يَكُونَ مجتهدًا؛ أي أن يَكُونَ قادرًا على اسْتنباطِ الأحكَامِ الشَّرعيَّة والتَّحليلِ المنطقي للقرآن والسنَّة.
 
-           أن يَكُونَ قادرًا على فهم معاني، وتفاسير وأسباب نزول الآيات القرآنية، وما يتعلق بذلك كالناسخ والمنسوخ، والمجمل، والمبين، والعام والخاص.
 
-           أن يَكُونَ على دراية وعلم بعلوم اللغة العربية.
 
-           أن يَكُونَ على دراية وعلم "بعلوم الحديث" و"علوم القرآن".
 
-           أن يَكُونَ على معرفة سابقة بكل الفتاوي السابقة لما يتعلَّق بالفتوى التي يصدرها في نفس الموضوع.
 
 
 
أولًا: آداب المفتي:
 
ينبغي أن يتحلى المفتي بِكثيرٍ من الآداب، أعلاها وأزكاها نية العمل والإخلاص لله تعالى، ومن ذلك ما نبه عليه الإمام أحمد من أمور، فقال: «لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
 
أولها: النية الصالحة الصادقة، فهي رأس الأمر وعموده لقوله صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
 
 والثانية: أن يَكُونَ له علم، وحلم، ووقار، وسكينة.
 
الثالثة: أن يَكُونَ قويًّا على ما هو فيه وعلى معرفته.
 
الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس.
 
الخامسة: معرفة الناس.
 
 فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي آدَابِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتَي: "مَنْ يُكْتَفَى بِكَوْنِ فَتْوَاهُ أَوْ عِلْمِهِ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَيَعْمَلُ بِمَا شَاءَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ، فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الإِجْمَاعَ، فَإِذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ القَوْلَيْنِ أَوْ الوَجْهَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْزَعَ فِي التَّرْجِيحِ إلَى صِفَاتِهِمْ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ، فَيَعْمَلَ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَالْأَوْرَعِ وَالْأَعْلَمِ، فَإِنْ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِصِفَةٍ قُدِّمَ مَنْ هُوَ أَحْرَى بِالإِصَابَةِ فَالأَعْلَمُ الْوَرِعُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَوْرَعِ وَالْعَالِمِ، وَإِذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بَيَانُ الأَصَحِّ مِنْهُمَا اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا أَوْ قَائِلِيهِمَا.
 
كما يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُحْسِنَ زِيَّهُ، مَعَ التَّقَيُّدِ بِالأحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَيُرَاعِيَ الطَّهَارَةَ وَالنَّظَافَةَ، وَاجْتِنَابَ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شِعَارَاتِ الْكُفَّارِ، وَلَوْ لَبِسَ مِنَ الثِّيَابِ العَالِيَةِ لَكَانَ أَدْعَى لِقَبُول قَوْلِهِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةً يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ [الأعراف: 32]؛ وَلأنَّ تَأثِيرَ الْمَظْهَرِ فِي عَامَّةِ النَّاسِ لَا يُنْكَرُ، وَهُوَ فِي هَذَا الحكْمِ كَالْقَاضِي( ).
 
كما ينبغي عليه أن يحسن سيرته، بتحري موافقة الشريعة في أفعاله وأقواله؛ لأنه قدوة للناس في ما يقول ويفعل، فيحصل بفعله قدر عظيم من البيان؛ لأن الأنظار إليه مصروفة، والنفوس على الاقتداء بهديه موقوفة( ).
 
كما ينبغي له أن يصلح سريرته ويستحضر عند الإفتاء النية الصالحة من قصد الخلافة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان الشرع، وإحياء العمل بالكتاب والسنة، وإصلاح أحوال الناس بذلك، ويستعين بالله على ذلك، ويسأله التوفيق والتسديد، وعليه مدافعة النيات الخبيثة من قصد العلو في الأرض والإعجاب بما يقول، وخاصة حيث يخطئ غيره ويصيب هو، وقد ورد عن سحنون: "فتنة الجواب بالصواب أعظم من فتنة المال".
 
وعليه أن يكون عاملا بما يفتي به من الخير، منتهيًا عما ينهى عنه من المحرمات والمكروهات؛ ليتطابق قوله وفعله، فيكون فعله مصدقًا لقوله مؤيدًا له، فإن كان بضد ذلك كان فعله مكذبًا لقوله، وصادًّا للمستفتي عن قبوله والامتثال له، لما في الطبائع البشرية من التأثر بالأفعال، ولا يعني ذلك أنه ليس له الإفتاء في تلك الحال، إذ ما من أحدٍ إلا وله زلة، كما هو مقرر عند العلماء أنه لا يلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبه مؤتمرًا منتهيًا، وهذا ما لم تكن مخالفته مسقطة لعدالته، فلا تصح فتياه حِينئذٍ. 

اضافة تعليق