"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب".. ماذا قصد الرسول بهذا الحديث ؟ 

الجمعة، 10 نوفمبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث :
الحديث عن قوم اصطفاهم الله بمحبته، وآثرهم بفضله ورحمته، أولئك الذين اعتصموا بأسباب السعادة والنجاح، واجتهدت نفوسهم في نيل الرضا والفلاح، ولم تمل أبدانهم قط من طول العبادة، فأفاض الله عليهم من أنواره، وجعل لهم مكانة لم يجعلها لغيرهم، وتولاهم بنصرته وتأييده، أولئك هم أولياء الله .
 
إنهم قوم عصمهم الله من مزالق الهوى والضلال، فبشروا بالأمن والسعادة في الدنيا والآخرة: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون"، وأنى لهم أن يخافوا وقد آمنوا بالله وتوكلوا عليه ؟، وأنى لهم أن يحزنوا وصدقوا ما عاهدوا الله عليه ؟، فأثمر إيمانهم عملا صالحا، وسكينة في النفس، ويقينا في القلب . 
 
وبلغ من علو شأنهم، وسمو قدرهم، أن أعلن رب العزة الحرب على كل من أراد بهم سوءاً، أو ألحق بهم أذى، كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب".
 
فكيف يدافع الله عن أوليائه وأحبائه، وكيف يمدهم بالنصرة والتأييد، ثم انظر كيف يتوعد من عاداهم بالحرب، حينها تعلم أن الله تعالى لا يتخلى عن أوليائه أو يتركهم فريسة لأعدائهم، ولو تأخر هذا النصر وطالت مدته؛ فهذه النصرة وهذا التأييد إنما هو مرتبط بسنن الله التي لا تتغير ولا تتبدل، وسنة الله اقتضت أن يمهل الظالمين دون إهمال لهم، فإن تابوا وأنابوا وزالت عداوتهم للصالحين، تاب الله عليهم، وإن أصروا على باطلهم، وتمادوا في غيهم، فإن الله يملي لهم استدراجاً، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وبذلك ينتصر الله لأوليائه ويجعل العاقبة لهم، والغلبة على من عاداهم .
 
وبلوغ هذه المكانة شرف عظيم، ونعمة كبرى يختص الله بها من يشاء من عباده، وحق أن نتسائل: ما الطريق الذي يعيننا على نيل هذه المرتبة العظيمة ؟
 
بين النبي صلى الله عليه وسلم أول طريق الولاية حين قال: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه"، فهذه المنزلة لا تُنال حتى يرفع العبد شعار العبودية لله، فيتقرب إليه أولا بما فرضه عليه من الأوامر، وما يلزمه ذلك من مجانبة المعاصي والمحرمات .
 
ثم ينتقل المؤمن إلى رتبة هي أعلى من ذلك وأسمى، وهي التودد إلى الله تعالى بالنوافل، والاجتهاد في الطاعات، فيُقبل على ربه مرتادا لميادين الخير، يشرب من معينها، ويأكل من ثمارها، حتى يصل إلى مرتبة الإحسان، والتي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
 
وحال المؤمن عند هذه الدرجة عجيب، إذ يمتليء قلبه محبة لربه وشوقا للقائه، وخوفا من غضبه وعقابه، ومهابة وإجلالا لعظمته، فما بالك بعبد يقف بين يدي ربه وكأنه يراه رأي العين، فلا تعجب من اليقين الذي يبلغه، والسمو الإيماني الذي يصل إليه .
 
حينها يكون ذلك المؤمن ملهماً في كل أعماله، موفقاً في كل أحواله، فلا تنقاد جوارحه إلا  إلى طاعة، ولا ينساب إلى سمعه سوى كلمات الذكر، ولا يقع ناظره إلا على خير، ولا تقوده قدماه إلا إلى ما يحبه الله، وهذا هو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"، وجدير بعبد وصل إلى هذه الدرجة أن يجيب الله دعاءه، ويحقق سؤله، ويحميه من كل ما يضره، وينصره على عدوه .
 
فعن علي بن أبي فزارة قال: "كانت أمي مقعدة من نحو عشرين سنة، فقالت لي يوما: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو لي، فأتيت فدققت عليه وهو في دهليزه فقال: من هذا ؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال:  نحن أحوج أن تدعو الله لنا، فوليت منصرفا، فخرجت عجوز فقالت: قد تركته يدعو لها ، فجئت إلى بيتنا ودققت الباب، فخرجت أمي على رجليها تمشي"، وعن عبيد الله بن أبي جعفر قال: "غزونا القسطنطينية، فكُسر بنا مركبنا ، فألقانا الموج على خشبة في البحر، وكنا خمسة أو ستة، فأنبت الله لنا بعددنا ورقة لكل رجل منا، فكنا نمصّها فتشبعنا وتروينا، فإذا أمسينا أنبت الله لنا مكانها، حتى مر بنا مركب فحملنا " .
 
جمع الله تعالى في كتابه شروط الولاية، حين قال تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون"، ومن هنا قال من قال من أهل العلم: "من كان مؤمناً تقيّاً، كان لله وليّاً " .

اضافة تعليق