الأزهر والفاتيكان يصنعان قوة ناعمة وفاعلة لمكافحة  الإرهاب

الجمعة، 10 نوفمبر 2017 12:00 ص

جاء ذلك خلال حلقة نقاش بعنوان “الأديان والدولة الوطنية”، والتي عقدت بمقر المستشارية الرسولية بمدينة روما الإيطالية، بحضور عدد من أبرز القيادات الدينية والسياسية والفكرية من الشرق والغرب.
 
مؤسسة الأزهر كانت حاضرة بكل ثقلها في جميع الفعاليات والندوات المقامة في العاصمة الإيطالية، ذلك أن الغرب ينظر إلى الأزهر باعتباره المؤسسة الدينية العريقة في العالم الإسلامي، وخط الاعتدال في مواجهة التيارات المتطرفة، ولديه التمكن والقدرة على إقناع العالم بسلامة دعوته، وهو ما يضع الأزهر أمام مسؤولياته التي أحيط حولها بجدل كبير في هذه المرحلة.
 
يتنامى دور مؤسسة الأزهر خلال السنوات الماضية في كونه أداة مهمة من أدوات الدبلوماسية الناعمة التي تساهم في عرض أفكار الإسلام الوسطي ومواجهة التطرف، وقد شهدت المؤسسة زيارات خارجية لوفود من مختلف دول العالم، وذلك في إطار الدعوات التي أطلقتها مصر نحو تجديد الخطاب الديني.
 
ويمثل لقاء روما هذا، ثمرة من ثمار الاتصالات التي سبق أن قام بها الأزهر مع الفاتيكان والمجلس البابوي للحوار بين الأديان كتلك الزيارة التي قام بها شيخ الأزهر للفاتيكان في العام الماضي وتركت صدى واسعًا ورد فعل في مختلف أنحاء العالم، ومن شأنه أيضا أن يمهد للمزيد من التفاهم المشترك والتعاون البناء لخدمة السلام العالمي. شيخ الأزهر، أحمد الطيب، قابل خلال زيارته الحالية بابا الفاتيكان البابا فرانسيس، ورئيس وزراء إيطاليا باولو جينتيليو ووزير الخارجية ورئيس مجلس الشيوخ الإيطالي، إضافة إلى عدد من المسؤولين الإيطاليين، لبحث سبل التعاون المشترك لمواجهة التطرف والإرهاب ونشر ثقافة التعايش والسلام.
 
وأكد الطيب أن «مصر تضحي بخيرة أبنائها من أجل محاربة الإرهاب والتطرف، والأزهر لديه إصرار وعزيمة قوية للقضاء على الإرهاب والتطرف فكرياً وتجفيف منابعه». وقال خلال لقائه رئيس الوزراء الإيطالي إن «التعاون العلمي بين الأزهر وإيطاليا له تاريخ طويل، ولا بد من استمراره لمكافحة التطرف والإرهاب… ونحن حريصون من خلال العمل المشترك مع بابا الفاتيكان على القضايا الإنسانية من أجل تحقيق سلام لكل الناس، ووجدنا انفتاحاً واتفاقاً كبيراً في الرؤى من أجل الضعفاء والفقراء.
 
وألقى شيخ الأزهر كلمة في افتتاح الملتقى العالمي الثالث للشرق والغرب، أكد من خلالها أن الأديان الإلهيَّة لا يمكن أن تكون سببًا في شقاء الإنسان وهي ما نزلت إلَّا لهداية البشر، موضحا أن الأزهر مع مجلس حكماء المسلمين على استعداد لتقديم كل ما يملكان من خبرة لترويج فكرة السلام العالمي والتعايش. وأكد شيخ الأزهر على أهمية العمل المشترك في تبني حوار جاد بين جميع الأطراف لحل النزاعات والتأكيد على براءة جميع الأديان من دعاوى العنف والتطرف.
 
وقال عبدالرحمن سوار الذهب، الرئيس السوداني الأسبق إن “مثل هذه الفعاليات تعد وسيلة من الوسائل التي تسعى إلى إرساء قيم السلام والتعايش بين مكونات العالم، الذي أصبح بمثابة قرية صغيرة تتوحد فيها الأحلام والآمال”، مشدداً على أن غياب بوصلة التعايش والسلام أدى إلى الحروب التي أودت بالملايين من سكان الأرض بمختلف معتقداتهم وتوجهاتهم.
 
وأوضح سوار الذهب أن الحوار “أضحى ضرورة فرضها الواقع العالمي، وهذا يدفعنا إلى فهم الآخرين، ومن ثم السعي إلى التفاعل مع الآخر، والعمل على تقريب سبل التفاعل والحوار”، مشدداً على أن عقبات الحوار بين الغرب والشرق تؤدي إلى الغلوّ الديني الذي يجب القضاء عليه في كل الأديان.
 
من جانبه، قال الكاردينال جان لويس توران، رئيس المجلس البابوي، خلال كلمته التي ألقاها بالملتقى العالمي إن “السلام نبنيه معاً، ولا يمكن أن يُعرَض بطرق أحادية الجانب”، موضحاً أن المسؤولين الدينيين لا يملكون حلولاً يقترحونها وحدهم، لكن تأتي الحلول بالتعاون والتقارب، وكل ديانات العالم عليها دور يجب أن تقوم به لبناء السلام.
 
وفي السياق ذاته، قال محمود حمدي زقزوق، عضو هيئة كبار العلماء بمصر، إنه “عندما نتحدث عن الدولة الوطنية والأديان، يجب أن ندرك أن الاختلاف بين البشر لا ينسينا إخوتنا في الإنسانية، فنحن ننحدر من أصل واحد، كما أن الأديان تنبع من مشكاة واحدة”، مشدداً على أن الإسلام أكد وجود التنوع وقبول الآخر، وأن الرسول شكل نموذجاً مثالياً عن العلاقة بين الدولة الوطنية والأديان عندما آخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع وثيقةً لضمان حقوق غير المسلمين.
 
لكنّ هذه الصورة المشرقة للتعايش بين الأديان أصابها قدر لا يُستهان به من الفتور والضعف والانهيار، ليس فقط في عالمنا الإسلامي، وإنما في العالم كله، وذلك نتيجة لما مر بعالمنا من نزاعات جسام وحروب نعاني منها حتى اليوم. وقال علي الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين، إن الدولة هي مؤسسة يصنعها الإنسان وليست مؤسسة تصنعها الأديان، مبينًا أن تطور الدول يتوقف على قاعدة المواطنة والتعايش المشترك حيث يتجاوز الامتيازات الدينية والمذهبية.
 
وكان شيخ الأزهر قد عقد لقاء قمة مع البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، بحثا خلالها سبل تنسيق الجهود لنشر ثقافة التعايش والسلام ونبذ العنف والكراهية والتعصب والإسلاموفوبيا ودعم الفقراء والضعفاء.
 
ويذكر أن العلاقة بين الأزهر والفاتيكان، قد شهدت فتورا وتوترا لافتا، في سبتمبر 2006، إثر اقتباس البابا السابق بنديكت السادس عشر، في محاضرة كان يلقيها بجامعة ألمانية، مقولة لأحد الفلاسفة يربط فيها بين الإسلام والعنف؛ ما أثار استياء الأزهر، في ذلك الوقت.
 
وبسبب ذلك التصريح، قرر شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي، تجميد الحوار مع الفاتيكان، عام 2006، لمدة عامين، ثم جدد الأزهر هذا التجميد مرة أخرى في 2011 على خلفية تصريحات أخرى للبابا ذاته طالب فيها بحماية المسيحيين في مصر عقب حادثة كنيسة القديسين في مدينة الإسكندرية، وهي التصريحات التي اعتبرها الطيب، آنذاك، تدخلا في الشأن المصري.
 
غير أن الجليد ذاب في نوفمبر 2014، حين التقى السيسي بالبابا فرانسيس، في زيارة هي الأولى من نوعها للرئيس المصري إلى الفاتيكان، وتلتها زيارة أخرى لشيخ الأزهر، في مايو 2016.
 
وفي أبريل الماضي، عقد الأزهر مؤتمرا عالميا للسلام، بالقاهرة، شارك فيه البابا فرانسيس أثناء زيارته الأولى لمصر؛ حيث تم الاتفاق بينهما على استمرار التعاون بين الفاتيكان والأزهر لمحاربة التطرف ونشر ثقافة السلام والحوار في مختلف أنحاء العالم، وفق بيانات رسمية سابقة.

اضافة تعليق