"إن الله كتب الحسنات والسيئات".. ماذا تعني؟ 

الخميس، 09 نوفمبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
أفعال الله تعالى دائرة بين الفضل والعدل، فما من تقدير في هذه الحياة، بل ولا شيء في الدنيا والآخرة، إلا داخلٌ ضمن فضل الله وعدله، فرحمته سبحانه بالمؤمنين فضل، وتعذيبه للعاصين عدل، وهو جل وعلا مع ذلك أخبر أن رحمته سبقت غضبه، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأَمَرَنا أن نسأله من فضله وعطائه الجزيل .
 
وهذا الحديث خير شاهد على فضل الله تعالى على عباده المؤمنين، فالله سبحانه وتعالى لما حث عباده على التسابق في ميادين الطاعة والعبادة، لم يجعل جزاء الحسنة بمثلها، ولكنه ضاعف أجرها وثوابها عشرة أضعاف، كما قال سبحانه: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"، ثم ضاعف هذه العشرة سبعين ضعفا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الله تعالى يُكاثر هذه الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة، لمن شاء من عباده .
 
وجاء في القرآن تصوير هذه الحقيقة في مثل رائع، يجسد فيه معنى المضاعفة، ويقرب صورتها إلى أذهان السامعين، إنه مشهد من يبذر بذرة في أرض خصبة، فتنمو هذه البذرة وتكبر حتى تخرج منها سبع سنابل، العود منها يحمل مائة حبة، ثم تتضاعف هذه السنابل على نحو يصعب على البشر عده وإحصاؤه، كذلك حال المؤمن المخلص لربه المحسن في عمله، قال تعالى في محكم التنزيل: "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم".
 
ولا يقتصر فضل الله عند هذا الحد، بل يتسع حتى يشمل مجرد الهم والعزم على فعل العمل الصالح، فإن العبد إذا هم بالحسنة ولم يفعلها، كتب الله له حسنة كاملة كما هو نص الحديث، لأن الله سبحانه جعل مجرد إرادة الخير عملا صالحا يستحق العبد أن ينال عليه أجرا .
 
ذلك حال من هم بالحسنة، أما من هم بالسيئة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة"، ولعل السر في ذلك: أن العبد إذا كان الدافع له على ترك المعصية هو خوف الله والمهابة منه، فعندها تُكتب له هذه الحسنة، وأتى بيان ذلك في الرواية الأخرى لهذا الحديث: "وإن تركها أي السيئة فاكتبوها له حسنة؛ إنما تركها من جرائي" ومعناها : طلبا لرضا الله تعالى.
 
وهذا بخلاف من همّ بالسيئة وسعى لفعلها، ثم عرض له عارض منعه من التمكن منها، فهذا وإن لم يعمل السيئة، إلا أنه آثم بها، مؤاخذ عليها ؛ لأنه سعى إلى المعصية ولم يردعه عن الفعل خوف من الله، أو وازعٌ من الضمير، ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقيل: يا رسول الله. هذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه".
 
وإذا ضعف وازع الخير في نفس المؤمن، وارتكب ما حرمه الله عليه، كُتبت عليه سيئة واحدة فحسب، كما قال الله عزوجل في كتابه: "ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون"، وذلك من تمام عدله سبحانه.
 
وعلاوة على ذلك، فتدرك الرحمة الإلهية من شاء من خلقه ، فيتجاوز الله عن زلته ويغفر ذنبه، كما دل على ذلك رواية مسلم: "فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة أو محاها" فهو إذاً بين عدل الله تعالى وفضله.
 
فإذا استشعر العبد هذه المعاني السامية أفاضت على قلبه الطمأنينة والسكينة، والرجاء بالمغفرة، ودفعته إلى الجد في الاستقامة، والتصميم على المواصلة، بعزيمة لا تنطفئ وهمة لا تلين.

اضافة تعليق