السعادة بين صراعين.. إزاي تفهم وإزاي ترتاح؟

الخميس، 09 نوفمبر 2017 12:00 ص

وعلى الرغم من تطور حياة الإنسان وانطلاقه نحو آفاق بعيدة المدى في تحقيق أسباب الرفاهية، إلا أنه لم يبلغ حلم السعادة ، ولم يستطع أن يدخل بذاته في إطارها وحيزها، بل لم يزد وعيه إلا ضحالة وبعدا عن سبيلها، حتى مع تمكن الإنسان بتقدمه العلمي والتكنولوجي أن يحقق لنفسه تيسير المعيشة من الناحية المادية، وكان ظنه واعتقاده أن تلك الناحية هي نهاية المطاف وغايته في تحقيق السعادة، ولكنه وجد الأمر على غير ذلك، وجد الفراغ الروحي والحيرة أمامه، وصارت حياته كحياة الأشباح التي لا روح فيها.
 
وأدى إهمال الجانب الروحي في حياة الإنسانية إلى انتشار أزمات فرضت نفسها على كل شخص تقريبا في العالم المعاصر، ورصد علماء الاجتماع هذه الأزمات، وحار في إيجاد الحلول والعلاجات الناجعة لها، وأبرز تلكم الأزمات هو سيطرة القلق والحيرة والاكتئاب والتشتت على شخصية الإنسان، وافتقاده للهدف والأمل في حياته، فصار يعيش بلا هدف يعمل لأجله، وبلا أمل يسعى لتحقيقه.
 
وظهرت عوارض لذلك القلق والتشتت في لجوء الإنسان إلى تدمير ذاته بالمخدرات أو الشذوذ، أو العنف والاحتراب، أو الانتحار.
 
يقول علماء النفس إن انطلاق العقل وتحركه في الفضاء بدون ضابط ولا شريك من الروح والعاطفة أسلم الإنسان إلى الهوى وإلى وقوعه أسيرا لنمط أو سبيل مبتسر وعاجز للمعرفة، ولكن أخيرا أدرك الإنسان أن إقصاءه لكل سبل المعرفة دون العقل أدى به إلى التصادم مع العقل نفسه، وأدى به إلى التشكك في العقل، وأدى به إلى الضياع وفقدان الطاقة، وعدم حصول المعرفة الحقيقية الموصلة إلى السعادة، بل صار الإنسان غريقا في بحور الشك وعدم اليقين وعدم الثقة في أي شيء، وصار متخبطا في مستنقعات من الفكر والعقائد الباطلة الردية.
 
وأضافوا أن الإنسان أصبح مهمِلا ومهمِّشا لكل معنى أصيل أو قيمة حضارية أو مبدأ يسمو بروحه ووجدانه نحو آفاق تسهم في تحقيق السعادة، مما أدى إلى حدوث خلل في حياته وانعدام الأمن الروحي، وانعدم التوازن بين مطالب الجسد والروح، مما زج بالإنسانية في حياة لا يعلم فيها انتماء لدين أو وطن أو قيم، ولا ولاء إلا للذاتية والشخصانية واللذة الحسية والشهوة القريبة.
 
السعادة بين صراعين
 
وتدور محاور السعادة والعيش بين أمنين يبحث عنهما الإنسان من المهد إلى اللحد وهما: الأمن المادي، والأمن الروحي.
 
والأمن المادي يتعلق بتوفير احتياجات الإنسان من المأكل والمشرب والمسكن والملبس وما شابه من ضروريات، والثاني يتعلق بتوفير الاطمئنان والهدوء والسكينة وما يدفع الحزن والكرب والفزع والروع والخوف وما شابه، فهو أمن الروح ويتحقق بالأمن الفكري والديني، فمن بات في جماعته غير مكره على اعتقاد يخالف ضميره وغير مكره في دينه ولا مفتون فيه، بل هو في سعة وحرية فقد تحقق له الأمن الروحي. 
 
والحديث عن الأمن الروحي يذكر بما فعله ملك الحبشة مع المسلمين حينما أتوه فارين من قريش بعدما اشتد عليهم التضييق والتنكيل، قال لهم في آخر المحادثة التي حاول فيها عمرو بن العاص أن يغريه بهم وأن يحرضه عليهم، قال: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي -وَالشُّيُومُ الْآمِنُونَ- مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ وَأَنّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ. وَالدَّبَرُ (بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ):  الْجَبْلُ.
 
قَالَتْ السيدة أم سلمة: فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.
 
فقد خرج المسلمون من مكة طالبين الأمن الروحي الأمن الديني والفكري، لم يكونوا معوزين أو جائعين أو طالبين للأمن المادي. 
 
وقد بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم وتنبأ بأن هذا الملك عنده ما يطلبون فقال لهم:  "لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ ؛ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا عَظِيمًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ". 
 
وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذين الشقين من الأمن اللازمين لحياة الإنسان، وبهما يحصل له السعادة وينال من الدنيا خيرها.
 
فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحْصَنٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا". 
 
وفي قول النبي صلى الله عليم وسلم: "آمنا في سربه". نجد فيه إشارة إلى الأمن الروحي، وهو يشمل الاطمئنان على الفكر والعقيدة والانتماء إلى الجماعة والسكون فيها والولاء إليها دون غيرها، فـ"آمنا" اسم فاعل يفيد استمرار الصفة ودوامها ولزومها لصاحبها، وهي الأمن، وحرف الجر "في" يدل على الدخول في الشيء والاستقرار فيه، وأما الضمير في سربه فقد أضاف الجماعة إلى فردها، ونسبها إليه، ليجعل ولاءه إليها، وهو أمر مهم جدا للهدوء النفسي والاطمئنان والسعادة، فحينما ننشئ أولادنا على محبة الوطن وامتلاكه، يشعرون بالفخر، ويترسخ في وجدانهم السيادة، فينشؤون أحرارا، ينظرون إلى الوطن كأنه بيتهم الكبير، يحرصون عليه، ويدافعون عنه، ويكنون له الولاء، وينظرون إلى أهله على أنهم إخوة وتجمعهم بهم عصبة وحمية.
 
وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أن تتحول العصبية إلى جاهلية والحمية إلى عُمِّيَّة، فتصير مذمومة، بل يجب أن تظل كل رابطة وكل انتماء في حياة المسلم معلقا بالحق، معلقا بالمنطق والصواب والمصلحة العامة والخاصة، أما الطاعة العمياء والعصبية في الصواب والخطأ، في الطاعة والمعصية، في المعروف والمنكر، فهو أمر نهينا عنه، وهو عين ما تُنَشِّئُ عليه الجماعات المتطرفة أتباعها، حتى يكونوا ألعوبة في يد أمرائها، يأمرونهم بالفقر والموت والانتحار فيستجيبون.
 
بينما يقول تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268]
 
وقال أيضا: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]
 
وقال أيضا: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]
 
وقال أيضا: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]
 
ولقد ترك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده أصحابا عرفوا منهجه ووثوا طريقته الحسنى فاقتدوا بها، فأقاموا دولة وسلطانا ودينا وعزا ومجدا، وذلك بفضل ما نعموا به من حكمة وفضل وعقل.
 
ولنضرب مثالا على ذلك بالقاضي المفتي العالم التقي علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قال عنه عمر بن الخطاب -رجل الدولة-:  قضية ولا أبا حسن لها!
 
قال علي: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ".

اضافة تعليق