سلطان المال بين شهوة النفس وقيامة الإنسان.. كيف تحصله وكيف تحافظ عليه؟

الأربعاء، 08 نوفمبر 2017 12:00 ص

 نص الإسلام على الحكم الشرعي في الثوابت والمتغيرات التي تطرأ على حياة الفرد والمجتمع، بدءا من شئون حياته الدينية، وحتى حياته الدنيوية من مأكل ومشرب وزواج وإنفاق للمال الذي خلقه الله قياما للناس.
 
وهنالك مساحة للاختلاف والسعة والمرونة في مساحات من المتغيرات، ولكن الاسلام لا يبقى ولا يمكن أن يمارس بشكل يرضي الله عز وجل دون أن يكون هناك مراعاة لثوابته، فالثوابت تمّكن المسلم من الفصل بين الإسلام وبين التجليات الإسلامية التي قد يتفق أو يختلف معها الناس.
 
ومن بين الأشياء التي تتسع فيه الاختلافات الفقهية، هو المال الذي أصبح ضرورة في الحياة، فهو أحد الضروريات الخمس التي جاء الإسلام بالحفاظ عليها، وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، فالعبد يحتاج المال في كافة شئون حياته؛ في طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه وملبسه، وبه يجلب الناس مصالحهم ويستدفعون الضرر عن أنفسهم، وتقام به العبادات والمعاملات، وبه يتعفف الناس عن ذل السؤال.
 
وجعل الشرع للمال حُرمة عظيمة وأولاه عناية واهتمامًا، لأن الناس مجبُولون على حبه، قال تعالى: وتحبون المال حبا جما [الفجر: 20]، وسمى اللَّه عز وجل المال خيرًا فقال تعالى: وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 8].
 
وحتى لا يترك الناس السعي في تحصيله تواكلاً فيكونون عالة على غيرهم مُضيعين لحقوق من يعولونه جاء الإسلام ليحدد العلاقة بين الإنسان والمال؛ فبين قيمته وطُرق تحصيله ووجوه استعمالاته وإنفاقه ومصارفه وفيما يلي نبذة مختصرة عن ذلك:
 
أولاً: قيمة المال:
 
 للمال قيمة عظيمة في الإسلام، فبه تقام العبادات كالزكاة والحج والجهاد في سيبل اللَّه، قال تعالى: انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله [التوبة: 41].
 
والمال هو الحسب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الحسب المال». وهو من مظاهر قوامة الرجل على المرأة، قال تعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم [النساء: 34]، وبالمال يتناكح الناس ويتبايعون ويسافرون من أجله ويرتحلون، وهو يدخل في كل مجالات الحياة، ولعظيم قيمة المال لا يجوز تمكين السفهاء منه، قال تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم [النساء: 5]، فيجب أن يكون تحت أيدٍ أمينة تقوم برعايته وتنميته. 
 
وقد ورد ما يدل على عدم جواز دفع أموال من لا رشد لهم إليهم كما في قوله تعالى: فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [النساء: 6]، فجعل الرشد شرطًا لدفع أموالهم إليهم، ومن الأولى عدم جواز دفع أموال غيرهم إليهم مع عدم الرشد، كذلك شرع الحَجْرُ على السفيه الذي لا يُحسن التصرف في ماله لحفظ ماله بما لا يعود عليه بالضرر، إلى آخر ذلك من الأدلة على عظيم قيمة المال في الإسلام وحرمة التعدي على مال الغير إلا بوجه مشروع سواءً كان المال لمسلم أو لكافر، ومن أتلف مال غيره ضَمِنَ ما أتلفه حتى ولو كان صغيرًا أو مجنونًا سواءً ضمنه بالمثل أو بالقيمة، وشُرِعَ قطع يد السارق للحفاظ على المال.
 
ثانيًا: طرق تحصيل المال:
 
 حَثَّ الإسلام على السعي لكسب المال من وجه مباح والحصول عليه خاليًا من الظلم والتعدي وأكل الأموال بالباطل، قال تعالى: فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10]، وقال تعالى: وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله [المزمل: 20]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لأن يحتطب أحدكم حُزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه».
 
فيجوز التكسب بالحلال المشروع من كافة الأعمال التي أجازها الشرع الحنيف، فعلى سبيل المثال: التكسب بالنجارة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كان زكريا عليه السلام نجارًا». كذلك من التجارة، قال تعالى: إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [النساء: 21]، وكان موسى عليه السلام قد عمل في رعي الغنم، وكذلك الأنبياء، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وعمل داود عليه السلام في صناعة الدروع وأسلحة الحرب، ولا بأس أن يعمل زارعًا أو صانعًا أو حدادًا أو مدرسًا أو حارسًا أو صيادًا أو بناءً أو طبيبًا أو مهندسًا، كل ذلك مباح وجائز في شرعنا، فكل عمل أو مهنة أو حرفة لا تخالف الشرع، فهي مباحة ولا بأس بالتكسب منها، كما علينا أن نحصل على المال خاليًا من الظلم والتعدي، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [النساء: 29]، .
 
ويدخل في اكتساب المال من وجه مُحرّم ما يعود على النفس والعرض والجماعة بالفساد؛ كالربا والرشوة والاختلاس والغش والتدليس وخيانة الأمانة وأكل أموال اليتامى ظُلمًا، والحصول عليه من البيوع المحرمة؛ كبيع الخنزير والأصنام وثمن الكلب والقط ومهر البغي وأجر الراقصات والمغنيات والكهانة والعرافة والسحر وفتح دور الفساد والبغاء والاتجار في المسكرات بأنواعها، ونشر كتب الفساد، والزندقة، إلى آخر تلك الطرق المخالفة لشرع اللَّه عز وجل.
 
ونص الشرع على أن ما تم تحصيله من وجه حرام فهو سحت وباطل ومُحرّم، وكل جسد نبت منه فإلى النار مصيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به». 
 
ثالثًا: طرق استعماله ووجوه إنفاقه:
 
 حتى لا ينحرف الناس في كيفية إنفاق المال وطريقة استعماله أوجب الإسلام إنفاقه في طُرق مشروعة، وحرم إنفاقه فيما نهى عنه فلا يُنفق المال في المعاصي والذنوب التي لا تعود إلا بالضرر والدمار، ولا يمسكه عن إخراجه في الواجبات، كذلك لا يُسرف ولا يُبذر كما أنه لا يبخل ولا يقتر فلا إفراط ولا تفريط، قال تعالى: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان: 67]، وقال تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط [الإسراء: 29]، وقال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [الأعراف: 31]، إلى غير ذلك من الآيات التي تحث على الاعتدال بلا تبذير ولا بخل ولا شح، كما قال صلى الله عليه وسلم : «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة». [رواه البخاري]
 
وعن عبد اللَّه بن الشخير قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ألهاكم التكاثر قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت».
 
 
 
نظرة الإسلام للثراء والغنى:
 
لا بأس أن يكون الرجل غنيًا من غير ضرر ولا ضرار، لكن لا يجوز كنز المال ومنع الحقوق الواجبة فيه، فهذا مذموم شرعًا، قال تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون [التوبة: 34- 35]، وقال تعالى: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة [آل عمران: 180]، وقال تعالى عن الفيء: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم [الحشر: 7].
 
فمن وسائل توزيع الثروات بين العباد حتى لا يكون متداولاً بين الأغنياء دون الفقراء:
 
- الزكاة بأنواعها: (النقود، الحلي، الزروع والثمار، المواشي، الركاز، الفطر).
 
كذلك فرض ربنا عز وجل نفقات واجبة: كالنفقة على الزوجة والأبناء والعبيد، إلى غير ذلك، وفتح الإسلام بابًا للحث على: الصدقات ووعد بالإخلاف لمن أنفق، قال تعالى: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه [سبأ: 39]، وقال تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا [آل عمران: 92]، وحث على عتق الرقاب فجعلها كفارة للظهار ولليمين المنعقدة وللقتل الخطأ وأفضلها أكثرها ثمنًا، قال أبو ذر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : أي الرقاب أفضل ؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا. 
 
كذلك فتح باب العقوبات المالية: كالديات، والتعزير بالمال، والكفارات بأنواعها كل حسب حاله، هذا أثناء حياة صاحب المال، أما بعد موته فمن وسائل توزيع الثروات: الميراث لمستحقيه، كذلك إن كان هناك وصية في المال الذي تركه الميت، فهذه أبواب لتوزيع المال حتى لا يكون حكرًا على فئة دون أخرى، وهذا من رحمة اللَّه بالعباد؛ لمنفق المال والآخذ معًا.
 
رابعًا: عناية الإسلام بحفظ المال:
 
لم يترك الإسلام أمر المال سُدًى، بل هناك طُرق لحفظه من الضياع والتلف.
 
أولها: حد السرقة لردع من تسول له نفسه الاعتداء على مال غيره، ثم الوعيد الشديد لمن أكل مال غيره بالباطل.
 
ومن وسائل حفظ المال:
 
الكتابة التي فيها قطعٌ للتنازع والشجار وحفظ للحقوق من الضياع والسلامة من النسيان والذهول وللاحتراز من الخونة، وكذلك الإشهاد ممن هم أهل لذلك على أن يكونا رجلين أو رجلاً وامرأتين ممن يكونون مقبولين، ومن وسائل حفظ المال أيضًا: الرهن للاستيثاق بالدَّيْنِ، والضمان، والكفالة، واستخدام وسائل أخرى سواءً كان في الحضر: كحفظه في الخزائن الحديدية، والسحب والإيداع أو في حال التنفل والترحال عن طريق: الشيكات، بطاقات الصرف، والتحاويل المصرفية وكل وسيلة تستجد لحفظ المال يشرع الأخذ بها.

اضافة تعليق