"من نفس عن مؤمن كُربة".. مساعدة المسلم لأخيه لها ثواب عظيم

الأربعاء، 08 نوفمبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 

عُني الإسلام بذكر مكارم الأخلاق والحث عليها، وجعل لها مكانة عظيمة، ورتب عليها عظيم الأجر والثواب، ومن ذلك هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه .
 
وحث النبي صلى الله عليه وسلم في أّل وصيته على تنفيس الكرب عن المؤمنين، ولا ريب أن هذا العمل عظيم عند الله، عظيم في نفوس الناس، إذ الحياة مليئة بالمشقات والصعوبات، مطبوعة على التعب والكدر، وتستحكم كربها على المؤمن، حتى يحار قلبه وفكره عن إيجاد المخرج .
 
وحينها، ما أعظم أن يسارع المسلم في بذل المساعدة لأخيه، ومد يد العون له، والسعي لإزالة هذه الكربة أو تخفيفها، وكم لهذه المواساة من أثر في قلب المكروب، ومن هنا ناسب أن يكون جزاؤه من الله أن يفرج عنه كربة هي أعظم من ذلك وأشد: إنها كربة الوقوف والحساب، وكربة السؤال والعقاب، فما أعظمه من أجر، وما أجزله من ثواب .
 
ومن كريم الأخلاق: التجاوز عن المدين المعسر، فحث الشارع أصحاب الحقوق على تأخير الأجل للمعسرين وإمهالهم إلى حين تيسر أحوالهم، يقول الله عز وجل: "وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، وأعلى من ذلك أن يُسقط صاحب الحق شيئا من حقه، ويتجاوز عن بعض دينه، ويشهد لذلك ما رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه".
 
ثم يحث الحديث على ستر عيوب المسلمين، وعدم تتبع أخطائهم وزلاتهم، وذلك لون آخر من الأخلاق الفاضلة التي تكلّلت بها شريعتنا الغراء، فالمعصوم من عصمه الله، والمسلم مهما بلغ من التقى والإيمان فإن الزلل متصور منه، يصيب شيئاً من الذنوب، وهو مع ذلك كاره لتفريطه في جنب الله، كاره أن يطلع الناس على زلَله وتقصيره، فإذا رأى المسلم من أخيه هفوة فعليه أن يستره ولا يفضحه، دون إهمال لواجب النصح والتذكير.
 
وجاء في السنة ما يوضح فضل هذا الستر، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة"، في حين أن تتبع الزلات مما يأنف منه الطبع، وينهى عنه الشرع، بل جاء في حقه وعيد شديد، روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: "يا معشر من قد أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله".
 
ولما كان للعلم منزلة عظيمة، ومكانة رفيعة؛ جاء الحديث ليؤكد على فضله وعلو شأنه، فهو سبيل الله الذي ينتهي بصاحبه إلى الجنة، والمشتغلون به إنما هم مصابيح تنير للأمة طريقها، وهم ورثة الأنبياء والمرسلين، لذلك شرّفهم الله تعالى بالمنزلة الرفيعة، والمكانة عالية، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب"، فهم أهل الذكر، وهم أهل الخشية، وشتان بين العالم والجاهل .
 
وأولى ما يصرف العبد فيه وقته: تعلم القرآن ونشر علومه، كما جاء في الحديث الصحيح: "خيركم من تعلّم القرآن وعلمه"، وهذه الخيرية إنما جاءت من تعلق هذا العلم بكلام الله تعالى، وشرف العلم بشرف ما تعلق به .
 
وبتأمل ما رتبه الله من الأجر والثواب لأولئك الذين اجتمعوا في بيت من بيوت الله تعالى؛ يتلون آياته، وينهلون من معانيه، بشرهم بأمور أربعة: أن تتنزل عليهم السكينة، وتعمهم الرحمة الإلهية، وتحيط بهم الملائكة الكرام، والرابعة وهي أحلاها وأعظمها: أن يذكرهم الله تعالى في ملأ خير من ملئهم، ويجعلهم محل الثناء بين ملائكته، ولو لم يكن من فضائل الذكر سوى هذه لكفت .
 
على أن تلك البشارات العظيمة لا تُنال إلا بجد المرء واجتهاده، لا بشخصه ومكانته، فلا ينبغي لأحد أن يتكل على شرفه ونسبه؛ فإن ميزان التفاضل عند الله تعالى هو العمل الصالح، فلا اعتبار لمكانة الشخص إن كان مقصرا في العمل، ولذا يقول الله عزوجل في كتابه: "فإذا نُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون"، وهذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم لم يغن عن أبي طالب شيئا، وجسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في كلمات جامعة حين قال: "ومن بطأ به عمله ، لم يسرع به نسبه".

اضافة تعليق