"المسلم أخو المسلم".. شجرة وارفة الظلال يستظل بها من أراد السعادة

الثلاثاء، 07 نوفمبر 2017 12:00 ص

*شرح الحديث : 
الأخوة الإسلامية شجرة وارفة الظلال، يستظل بفيئها من أراد السعادة، إنها شجرة تؤتي أكلها كل حين، شهية ثمارها، طيبة ريحها، تأوي إليها النفوس الظمأى، لترتوي منها معاني الود والمحبة، والألفة والرحمة. 
 
إنها ليست مجرد علاقة شخصية، ولكنها رابطة متينة، قائمة على أساس من التقوى وحسن الخلق، والتعامل بأرقى صوره، وهي في الوقت ذاته معلم بارز، ودليل واضح على تلاحم لبنات المجتمع ووحدة صفوفه، وحسبك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ربط الأخوة بالإيمان، وجعل رعايتها من دلائل قوته وكماله، ولا عجب حينئذٍ أن يأتي الإسلام بالتدابير الكافية التي تحول دون تزعزع أركان هذه الأخوة.
 
وجاء هذا الحديث العظيم لينهى المؤمنين عن جملة من الأخلاق الذميمة، والتي من شأنها أن تعكر صفو الأخوة الإسلامية وتزرع الشحناء والبغضاء في نفوس أهلها، وتثير الحسد والتدابر، والغش والخداع، وأخلاقاً سيئة أخرى جاء ذكرها في الحديث . 
 
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسد، ولا عجب في ذلك!، فإنه أول معصية وقعت على الأرض، وهو الداء العضال الذي تسلل إلينا من الأمم الغابرة، فأثمر ثماره النتنة في القلوب، وأي حقد أعظم من تمني زوال النعمة عن الآخرين ؟، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "دب إليكم داء الأمم : الحسد والبغضاء، ألا إنها هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين".
 
وعلاوة على ذلك، فإن الحسد في حقيقته تسخّط على قضاء الله وقدره، واعتراض على تدبير الله وقسمته للأرزاق والأقوات، وهذه جناية عظيمة في حق الباري تبارك وتعالى 
 
ومما جاء النهي عنه في الحديث: النجش، وأصل النجش: استخدام المكر والحيلة، والسعي بالخديعة لنيل المقصود والمراد، ولا شك أن هذا لون من ألوان الغش المحرم في الشرع، والمذموم في الطبع، إذ هو مناف لنقاء السريرة التي هي عنوان المسلم الصادق، وزد على ذلك أن في التعامل بها كسر لحاجز الثقة بين المؤمنين
 
والنجش لفظة عامة، تشمل كل صور المخادعة والتحايل، لكن أشهر صورها النجش في البيع، ويكون ذلك إذا أراد شخص أن يعرض سلعة في السوق رغبةً في بيعها، فيتفق مع أشخاص آخرين، بحيث يُظهرون للمشتري رغبتهم في شراء هذه السلعة من البائع بسعر أكبر، مما يضطر المشتري إلى أن يزيد في سعر السلعة، فهذا وإن كان فيه منفعة للبائع فهو إضرار بالمشتري وخداع له .
 
ومن الآفات التي جاء ذمها في الحديث، البغضاء بين المؤمنين، والتدابر والتهاجر، والاحتقار ونظرات الكبر وغيرها من الأخلاق المولدة للشحناء والمسببة للتنافر .
 
والإسلام إذ ينهى عن مثل هذه المسالك المذمومة؛ فإنه يهدف إلى رعاية الإخاء الإسلامي، وإشاعة معاني الألفة والمحبة؛ حتى يسلم أفراد المجتمع من عوامل التفكك وأسباب التمزق، فتقوى شوكتهم، ويصبحوا يدا واحدة على أعدائهم؛ فالمؤمن ضعيف بنفسه، قوي بإخوانه، ومن هنا جاء التوجيه في محكم التنزيل بالاعتصام بحبل الله، والوحدة على منهجه، ونبذ كل مظاهر الفرقة والاختلاف، يقول الله عزوجل في كتابه: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا".
 
ولن تبلغ هذه الوحدة مداها حتى يرعى المسلم حقوق إخوانه المسلمين، ويؤدي ما أوجبه الله عليه تجاههم، ولتحقيق ذلك لابد من مراعاة جملة من الأمور، فمن ذلك: العدل معهم، والمسارعة في نصرتهم ونجدتهم بالحق في مواطن الحاجة، كما قال الله عزوجل في كتابه: "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر"، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالماً، كيف أنصره ؟، قال : تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره".
 
ثم توج النبي صلى الله عليه وسلم حديثه بالتذكير بحرمة المؤمن فقال: "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه"، فالمسلم مأمور بالحفاظ على حرمات المسلمين، وصيانة أعراضهم وأموالهم وأعراضهم، فلا يحل له أن يصيب من ذلك شيئا بغير حق، وحسبك أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أشرف البقاع وأشرف الأيام، وتحين موقف الحاجة إلى الموعظة، لينبه الناس إلى ذلك الأمر العظيم، وخطب الناس يوم النحر فقال: "يا أيها الناس، أي يوم هذا ؟"، قالوا: يوم حرام، قال: "فأي بلد هذا ؟"، قالوا: بلد حرام، قال: "فأي شهر هذا ؟"، قالوا: شهر حرام، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا".

اضافة تعليق