مشتركات إنسانية في مواجهة الصراع والتطرف..وحدة الإنسان والرسالة والمصلحة والمصير

الثلاثاء، 07 نوفمبر 2017 12:00 ص

 
فضلًا عن تسارع تداخل المصالح وتشابك العلاقات وتبادل الخدمات في جميع المجالات وعلى كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية والفكرية والثقافية. 
 
 وجاءت رسالة القرآن تحمل بُعدًا عالميًّا كونيًّا يهدف إلى إسعاد الإنسانية إسعادًا متوازنًا وممتًّدا من العاجل إلى الآجل؛ فوجب تنبيه الخطاب الإسلامي المعاصر إلى ضرورة معالجة هذا الموضوع معالجة منهجية تستحضر الأصول والمصالح التي تتقاسمها البشرية على الأرض، كما لا تُغَيَّب الأسس التي تلتقي عليها وتتعاون والغايات التي وجد من أجلها الإنسان والكون والحياة فهمًا وعملًا بقول الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ}[الحجرات: 13].
 
 وفي هذا التقرير نلخص معالم المشترك الإنساني من خلال المحاور التالية:
 
 أولا: وحدة الإنسانية أو الأخوة الآدمية: 
 
خلق الله الإنسانية من أصل واحد، لتعيش مستخلفة في أرض واحدة وتستنشق نفس الهواء وتعيش على نفس الخيرات وتتقاسم ذات المصالح والحاجيات، ولما كانت تستشرف مستقبلًا متآخيًا ينقلها إلى وضعٍ أحسن مما هي عليه، يخلصها من المظالم التي تَطَالُهَا، ويؤسس لعالم التواصل والتعاطف والتآخي، فإن المطلوب من جميع الأطراف هو استيعاب القواسم المشتركة بين الأمم والشعوب والعمل على تنميتها والحفاظ عليها، وتنظيم الاختلاف المحيط بها. ومن أجل هذا المطلب كان الإسلام دعوة عالمية وجاء الخطاب القرآني موجهًا للإنسان كيفما كان جنسه وزمانه ومكانه
 
وكان أول عنصر مشترك بين الحضارات والثقافات هو الإنسان ذاته، الذي مثل الثروة الهائلة التي يصلح الكون بصلاحها ويفسد بفسادها، وهو العنصر الذي يحدد الانتماء إلى الأسرة الآدمية الممتدة عبر الزمان والمكان والمُثقلة بالكبد والمعاناة، الأمر الذي يستدعي الوعي الجماعي بهذا المُعْطَى العظيم حتى يتحقق النهوض التعاوني لإنجاز حضارة أخوية كبرى جوهرها ما يسميه الأستاذ ياسين بـ "العمران الأخوي".
 
كما جعل الله الناس كلهم إخوة في الخليقة، والناس كلهم من طينة الأرض، إخوة في المنشأ، والناس كلهم صائرون إلى الله، إخوة في المصير، والناس كلهم في نفس واحدة إخوة في الإنسانية، والناس كلهم، أو ينبغي لهم، أن يعبدوا الله ويلتقوا في حماه، إخوة في الاتجاه، ومن هنا ينشأ الحب للإنسانية، والصلة بين بني الإنسان. وبروح الإسلام يغذيه بكل توجيهاته وكل تطبيقاته حتى يصبح جزءًا من العقيدة حيًّا ممتزجًا بالكيان.
 
 وحين يكون هذا هو المبدأ، حين تكون هذه هي الركيزة الموجودة في باطن النفس فإن صراع الشر في الناس يكون هو الحالة الطارئة التي لا تلبث أن تزول. ويصير السلام هو الأصل في الحياة، والحرب هي الشذوذ ... إن قول الله تعالى: {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ} [الإسراء: 70] على عمومهم وشمولهم يؤكد الأخوة والآدمية المشتركة بين العالمين تؤهل الناس لبناء علاقة راشدة تقوم على حفظ كرامة الإنسان وصون حقوقه وضمان أمنه وتنظيم حريته وحفظ جميع ضروراته ... وبالمناسبة "نُحَيِّي الجمعيات الحرة المدافعة عن حقوق الإنسان حقًّا وصدقًا". 
 
 2- وحدة الرسالة الإلهية (النبوة)
 
وانطلاقًا من وحدة النبوة في الدعوة إلى معرفة الله تعالى والإحسان إلى الخلق والسعي بالخير أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، مع العلم أن "الإسلام" هو الدين الجامع، وهو ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، وملة جميع المرسلين، فإنه ما من نبي ولا رسول إلا ودعا قومه إلى الإسلام، قال الله تعالى: {وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} [الحج: 78].
 
 وجعل الله الدين كل ما جاء به الأنبياء من عقائد وشرائع وأخلاق موجهة للإنسان ليصلح حاله في الحال والمآل، حيث الدين هو التوحيد، أو الإقرار بوحدانية الله تعالى والتصديق بها. والرسالات السماوية كلها تدعو إلى الاعتصام بالله وإقامة الدين توحيدًا الله وعدلًا بين عباده، وتنبذ الطغيان والكفر والشرك والغفلة والظلم. والاعتصام بالله يؤهل الفرد والجماعة للحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. {وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [آل عمران: 101].
 
3- وحدة المصير:
 
إن مصير الإنسان المكرَّم يكون بين يدي ربه في الآخرة ... ولكن كيف نتعارف ونتكامل ونتعاهد على ألا نلحق الضرر ببعضنا ولا بأرضنا وثرواتنا وبيئتنا؟ وكيف نحفظ حياتنا المشتركة تكاملًا وتعارفًا وتنافسًا؟ وما هي السبل التي نعمر بها الأرض وقد ذُكرت "الأرض" في القرآن المجيد حوالي 245 مرة نظرًا لمحورية قيمتها؟ هي أُمُّنَا ومنها خُلِقْنَا وعلى ظهرها نَدُبُّ وإليها نعود تارة أخرى، فهل يُتَصَوَّرُ صلاح الإنسان بإفسادها والفساد فيها؟ وبالمقابل أي ضرر يُخْشَى بالحفاظ على صلاح الأرض والتعاون على الإصلاح فيها بين بني البشر ثقافات وحضارات وخيارات متكاملة متعاونة؟ وليكون الإنسان إنسانًا واحدًا، لا يَسْتَعْبِدُ إنسانٌ إنسانًا، ولا يضعه تحت الوصاية، ولا يحد من سيادته، ولا يستغل القانون الدولي، والتأليب الدولي، وإجماع الخمسة ليدمره ويخذله، ويوزع أرضَهُ على القبائل الشرسة، والأقوام الشريدة. 
 
4- وحدة المصلحة:
 
الحياة المشتركة تقتضي مما تقتضيه نبذ أخلاق الأنانية والاستعلاء والتمركز حول الذات والتحيز المَرَضِيّ من أجل التعايش وفق مقتضى الجماعة الإنسانية المتداخلة مصالحها المتكاملة أدوار أعضائها المندغمة حاجياتها، نتعايش ونتعارف ليس فقط للشبع من جوع والغنى من حرمان، بل للتحرر من عبودية البشر لبعضه البعض وحق الإنسان في معرفة ربه واختيار طريق السلوك إليه. المسلمون أصحاب رسالة رحيمة رفيقة تنسجم انسجامًا كليًّا مع فطرة الكائن البشري وتوافق مطالبه وطموحاته وتربط مبتدأه بمبتغاه. 
 
ومن الأهمية بمكان بعد أن تناولنا المشترك الإنساني بشكلٍ يكاد يكون مختصرًا، أجد لزامًا علينا أن نتاول الفتوى وآدابها والتجرؤ عليها من منطلق أنها مسؤولية ينعكس صداها على الفرد والمجتمع على حد سواء.
 
 

اضافة تعليق