قصة الملك سليمان بين الأديان السماوية الثلاثة والقصص الشعبي

الإثنين، 06 نوفمبر 2017 12:00 ص

ولا توجد أي وثائق تاريخية تمكننا من معرفة توقيت زمني مُحدد الذي عاش فيه الملك سليمان، وبحسب ترجيحات الباحثين التقريبية، فإن سليمان قد عاش في القرن العاشر من الألف الأولى قبل الميلاد.

سليمان في اليهودية والمسيحية

هو أحد ملوك مملكة إسرائيل حسب الوارد في سفر الملوك الأول وسفر أخبار الأيام الثاني.
 
وحسب التلمود، هو أحد الأنبياء الثمانية والأربعين وابن داود وكان أقربهم إلى قلبه، وكانت أمه هي بتشبع التي تزوجت داود عقب وفاة زوجها الأول أوريا الحثي، وكذلك ثالث ملوك مملكة إسرائيل الموحدة قبل انقسامها إلى مملكة إسرائيل الشمالية وهي المملكة التي بقي يحكمها قبائل إسرائيل الإثنا عشر ومملكة يهوذا في الجنوب والتي حكمها أبناء قبيلة يهوذا وهي القبيلة الوحيدة الباقية من القبائل الإثنا عشر حسب كتابات اليهود
 
ويؤكد العهد القديم، على أن سليمان قد بدأ حكمه بسيرة طيبة، وبطاعة مطلقة ليهوه إله بني إسرائيل، وأنه كان يسير وفق أحكامه وشرائعه، وهو الأمر الذي جعل يهوه يمنحه الحكمة لما طلبها سليمان منه.
 
كما اشتهر وفق العقيدة اليهودية بحكمته وثرائه وملكه الكبير، وأثرت حكمة سليمان بشكل مهم في استقرار مملكته وعقد التحالفات مع الممالك المجاورة لها، وهو الأمر الذي أتاح له الفرصة للقيام بأكبر مشروعاته العمرانية التي وردت في العهد القديم، ألا وهو بنائه للهيكل المقدس الذي عُرف بعد ذلك بـ"هيكل سليمان".
 
وعلى الرغم من كل الأوصاف الإيجابية التي أطلقها العهد القديم على الشطر الأول من حكم سليمان، فهناك عدد من الذنوب التي بموجبها عاقب يهوه بني إسرائيل بتقسيم مملكتهمـ وتبدلت تلك التوصيفات في الشطر الثاني منه، حيث يذكر سفر ملوك أول، أن سليمان قد خرج عن تعاليم اليهودية وتشريعاتها، عندما مال في شيخوخته، لعدد كبير من النساء الأجنبيات، والتي كانت إحداهن هي بنت فرعون مصر.
 
ويصف سفر الملوك، المعصية الكبرى التي ارتكبها سليمان، بوضعه الأوثان والأصنام داخل الهيكل، وبإقراره عبادة ألهة أزواجه الأجنبيات، وهو الأمر الذي وصفه العهد القديم بقوله "وعمل سليمان الشر في عين الرب".
 
على أن الفترة الأخيرة من حياة سليمان، قد شهدت توبته وندمه على ما اقترف من معاصي، فقد جد في العبادة والاستغفار، وكتب عدداً من أهم كتب العهد القديم، منها نشيد الأنشاد وسفر الحكمة وسفر الجامعة.
 
أما في العهد الجديد، فقد ورد ذكر سليمان في أكثر من موضع، حيث تم التأكيد على حكمته في إنجيل لوقا، كما ذُكر في سلسلة نسب المسيح، من أبيه الأرضي يوسف النجار، في مقدمة إنجيل متى.
 
النظرة اليهودية لسليمان اعتبرته أحد أكبر ملوك بني إسرائيل القدامى، وتماشيت معها النظرة المسيحية، ولكن أصبغتها الروحانية، التي اعتبرت أن قصة سليمان نموذجًا لتعليم البشر كيفية خروج الإنسان عن النهج المستقيم ووقوعه في الخطأ، ثم عودته في نهاية المطاف إلى الطريق القويم الذي أمر الرب باتباعه.
 
وكذلك في المسيحية يروا أن "العظمة والغنى والنجاح قد قادت سليمان إلى نهاية بعيدة عن الله، وإذا بسحابة داكنة تخيم على مساء اليوم الصاحي المشرق، واضطجع سليمان مع آبائه ودُفن في مدينة داود" فإن حكمة سليمان لم تنطبق على حياة سليمان لم تنطبق على حياة سليمان؛ "وهوذا أعظم من سليمان ههنا".
 

النبي سليمان في الإسلام

هو أحد أنبياء الإسلام حسب معتقدات المسلمين وذكر في سور سبأ وص والنمل وسورة البقرة والأنعام مع اختلافات في جوانب القصة العبرية وتأكيد للحكمة والثراء والملك الذي لم يؤت أحد مثله، وحسب القرآن، فإن سليمان تعلم "منطق" الطير والحيوانات والحشرات وله جن وعفاريت مسخرين لخدمته وطاعته.
 
فهو يحتل مكانة كبيرة في الدين الإسلامي، ليس بصفته ملكًا لبني إسرائيل، بل لكونه أحد كبار الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم. 
 
القصة القرآنية عن سليمان، تتفق مع مثيلتها الكتابية في العديد من النقاط والمحاور، والاتفاق على حكمته البالغة، حيث ورد في القرآن، في سورة النمل "ولقد أتينا داوود وسليمان علماً"، وفي سورة الأنبياء "ففهمناها سليمان وكلا أتينا حكمًا وعلمًا".
 
وكذلك الاتفاق على استقرار المملكة في عهده وسعة ملكه، وإن كان هذا المُلك قد فُسر في الإسلام على كونه سيطرة مطلقة وهيمنة شاملة على جميع البلاد والمناطق.
 
كما قال تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ سورة النمل, الآيات 17-19.
 
يقول الله تبارك وتعالى:{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}سورة النمل.
 
ومعنى قوله تعالى:{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ}أي ورثه في المُلك والنبوة وليس المراد أنه ورثه في المال لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة” أي أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم بل تكون أموالهم صدقة من بعدهم.
 
 فقد ورد في بعض الأحاديث النبوية، أن سليمان كان واحدًا من أربعة ملوك بسطوا سيطرتهم التامة على كامل المعمورة، وتلك النقطة، تكمن فيها اختلافات واضحة مع النصوص الكتابية، التي تؤكد على أن هناك ممالك مستقلة كانت قائمة في عهد سليمان، وكان الملك العبراني يرتبط معها بعلاقات دبلوماسية هامة.
 
الاختلاف ما بين النظرتين اليهودية-المسيحية من جهة، والإسلامية من جهة أخرى، يظهر بشكل واضح فيما يخص الذنوب والمعاصي التي زعم العهد القديم أن الملك الإسرائيلي قد ارتكبها عندما عبد الألهة الأجنبية، ذلك أن الرواية الإسلامية لا تتطرق بتاتاً لتلك الأحداث.
 
بل وتؤكد في أكثر من موضع على قداسة سليمان، وحسن طاعته لله، ومن ذلك ما وصف به في سورة ص: "نعم العبد إنه أواب"، وهي الآية التي فسرها الطبري، بأن سليمان كان كثير الذكر والطاعة لله كما أنه كان كثير الصلاة والدعاء.
 
ركز الكتاب المقدس على إنسانية سليمان، أما المصادر الإسلامية على قداسته وعصمته، والحقيقة، أن النظرة الإسلامية في هذا الموضع، تتماشى كلية ًمع مفهوم العصمة الذي اصطبغت به التوصيفات القرآنية لعموم الأنبياء والرسل الذين وردت أسماؤهم في آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.
 
ومن الاختلافات المهمة الأخرى، أن المصادر الإسلامية لا تذكر أن سليمان قد بنى الهيكل المقدس، بل على العكس من ذلك، فهي تنسب له دوراً محورياً في إعادة ترميم وبناء المسجد الأقصى، حيث ورد في مسند ابن حنبل وسنن النسائي وسنن ابن ماجة، قول الرسول "لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً، حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
 
حيث قام سليمان عليه السلام بعمارة بيت المقدس تنفيذًا لوصية أبيه داود عليه السلام بعد أربع سنين من توليه الملك وأنفق في ذلك أموالاً كثيرة وانتهى من بنائه بعد سبع سنين، وأقام السور حول مدينة القدس، وكان ادم عليه السلام أول من بنى المسجد الأقصى بناه بعد أربعين سنة من بنائه المسجد الحرام كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام.
 
روى النسائي وابن ماجه وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لما بنى بيت المقدس سألَ ربَّه عز وجل خِلالًا ثلاثًا فأعطاه اثنين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة: سأله حُكمًا يُصادِف حُكمَه فأعطاه إياه، وسأله مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطاه إياه“.
 
ولما انتهى سليمان من تجديد بناء بيت المقدس، بنى الهيكل أي القصر الملكي وقد أتم بناءه في مدة ثلاث عشرة سنة، وكان لسيلمان عليه السلام اهتمام عظيم بالإصلاح والعمران وكان له أسطول بحري كبير له عناية كبيرة بالخيل يُروّضها ويُعدها للجهاد في سبيل الله في الحروب.
 
أيضًا فإن تنسيب المعجزات العظيمة والقدرات الخارقة إلى سليمان، كان من المسائل التي انفردت بها النظرة الإسلامية، حيث تواترت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تؤكد على معرفة النبي العبراني للغة الطيور والحيوانات والحشرات، فهو يكلم الهدهد في بعض المواقف، كما أنه يفهم حديث النملة في مواقف أخرى.
 
وبالإضافة إلى ذلك فقد تم تسخير الجن والشياطين له، حيث استخدمهم في سبيل بناء العمائر الضخمة والمدن، أما الرياح فقد سُخرت له، فكان بوسعه دفعها إلى التحرك أو السكون؛ وجميع تلك المعجزات لم يتطرق إليها العهد القديم على الإطلاق، وإن كانت قد ذُكرت بعضها في بعض الترجمات الآرامية القديمة للتراث اليهودي، مثل كتاب الترجوم وهو شروحات وترجمات قديمة وغير معترف بها للعهد القدبم.
 

نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام

قال الله عز وجل:{وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ *وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}سورة النمل.
 
أكرم الله عز وجل عبده ونبيه سليمان عليه السلام بنعم كثيرة وخصه بمزايا رائعة كانت عنوانًا للعظمة والمجد ومظهرًا من مظاهر المُلك العظيم والجاه الكبير والدرجة العالية عنه الله سبحانه، فقد فضّله الله تعالى بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإنس، وأعطاه الله عز وجل علمًا بالقضاء وتسبيح الجبال.
 
وقد علمه الله تبارك وتعالى منطق الطير ولغته وسائر لغات الحيوانات فكان يفهم عنها ما لا يفهمه سائر الناس، وكان يتحدث معها أحيانًا كما كان الأمر مع الهدهد والنمل، قال الله عز وجل:{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}سورة النمل، أي من كل شيء يجوز أن يؤتاه الأنبياء والناس، وقيل إن نبي الله سليمان عليه السلام أعطي ملك مشارق الارض ومغاربها.
 
وقد سخر الله تبارك وتعالى لنبيه سليمان عليه السلام الريح فكانت تنقله إلى أي أطراف الدنيا شاء، قال الله عز وجل:{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ}سورة ص، وقال تعالى:{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}سورة الأنبياء.
 
والمعنى أن الله تعالى سخر لعبده سليمان الريح عاصفة أي شديدة الهبوب، تجري بأمر سليمان فتسير به إلى حيث شاء ثم تعود به إلى منزله بالشام. وقال الله تعالى:{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}سورة سبإ، أي أنها تقطع به أول النهار مسيرة شهر، وبعد الظهر مسيرة شهر.
 
ويقال إنه كان لنبي الله سليمان عليه السلام بساط مركب من أخشاب بحيث أنه يسعُ جميع ما يحتاج إليه من الدُّور المبنية والقصور والخيام والامتعة والخيول والجمال والأثقال والرحال وغير ذلك من الحيوانات والطيور، فإذا أراد سفرًا أو قتال أعداء من أيّ بلاد الله شاء، حمل الأشياء كلها على هذا البساط وأمر الريحَ فدخلت تحته فرفعته وسارت به مُسرعة بإذن الله إلى أي مكان شاء بمشيئة الله تعالى وقدرته.
 
ومن نِعم الله تبارك وتعالى على سليمان عليه السلام أن سخّر له الجن ومَردة الشياطين يغُوصون له في البحار لاستخراج الجواهر واللآلئ ويعملون له الأعمال الصعبة التي يعجز عنها البشر، كبناء الصروح الضخمة والقصور العالية والقدور الضخمة العالية الثابتة والجفان التي تشبه الاحواض الكبيرة، يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله:{وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ}أي وسخّر الله عز وجل له من الجن عُمالاً يعملون له ما يشاء لا يخرجون عن طاعته ومن خرج منهم عن أمره وطاعته عذبه ونكل به.
 
ثم بيّن الله تعالى ما كانت تصنع الجن لنبيه سليمان عليه السلام فقال عز وجل:{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}سورة سبإ.
 
وقد جعل الله تعالى لنبيه سليمان عليه السلام سُلطة عالية على جميع الشياطين من الجن يسخر من يشاء منهم في الأعمال الشاقة، ويقيد من يشاء في الأغلال ليكف شرهم عن الناس، يقول الله عز وجل:{وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاص*وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ}سورة ص، أي الأغلال.
 
ومن نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام أن أسال له عين القِطر وهو النحاس المُذاب، فكان النُحاسُ يتدفّق رقراقًا مُذابًا لسليمان عليه السلام كتدفق الماء العذب، فيصنع منه سليمان عليه السلام ما يشاء من غير نار وكانت تلك العين في بلاد اليمن، يقول الله تبارك وتعالى:{وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ}سورة سبإ.
 
ومن نعم الله تعالى على سليمان عليه السلام أن جُنْدهُ كان مؤلفًا من الجن والإنس والطير، وكان لسليمان عليه السلام قد نظّم لهم أعمالهم ورتب لهم شئونهم، فكان إذا خرج خرجوا معه في موكب حافل مهيب يُحيط به الجند والخدم من كل جانب، فالإنس والجن يسيرون معه سامعين مطيعين خاضعين، والطير بأنواعها تظله بأجنحتها من الحر وغيره، وعلى كل من هذه الجيوش نقباء ورؤساء يديرون وينظمون الفرق في عرض رائع وموكب مَلكي حافل لم تر العين مثله، وهذا كله من فضل الله تعالى على عبده ونبيه سليمان عليه السلام الذي كان عبدًا مطيعًا أوّابًا داعيًا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وكان من عباد الله الشاكرين، يقول الله تعالى:{وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}سورة ص، ويقول تعالى:{اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}سورة سبإ.
 

في الثقافة والمخيلة الشعبية

حظي الملك النبي سليمان، بفرصة عظيمة للتواجد وسط الحكايات الشعبية المنتشرة بالشرق والغرب، فلما كانت قصة سليمان تجمع ما بين كونها مصدراً لأحلام الثراء المادي، والنفوذ الروحي، فإن تأثيراته العميقة في القصص الشعبي، قد تواجدت في ساحة المخيلة الشرقية.

ففي المشرق الإسلامي، كانت أخبار سليمان وتسخيره للجن، حاضرة في أدب العرب قبل الإسلام، حتى أن النابغة الذبياني قد ذكر ذلك في إحدى معلقاته، وقال فيها:

إلاّ سُليمانَ إذ قالَ الإلـهُ لـــهُ    قًــمْ فــي البريَّة فــاحْــدُدْهــا عنِ الفَنَـدِ
 
وخيِّسِ الجنَّ إنّي قد أَذِنْتُ لهمْ    يَبْنون تَــدمـر بـالـصُّـفَّــاحِ والــعَـــمَـــدِ
 
وهو ما يشير إلى أن أخبار طاعة الجن لسليمان كانت معروفة في الجاهلية، وكان يُضرب بها المثل في الانقياد والاتباع.
 
 
أيضاً كان خاتم سليمان، ذا حضور قوي في الفلكلور والثقافة الإسلامية، حيث ذُكر بكثرة في قصص ألف ليلة وليلة، وبحسب تلك القصص فقد كان هذا الخاتم يمتلك قوة سحرية، مرجعها أنه قد نُقش عليه اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب.
 
وبساط الريح أو بساط سليمان، كان أحد الأدوات التي حيكت بها الحبكات الخيالية في القصص العربية، حيث ذكرت بعض القصص أن سليمان كان يستخدم هذا البساط للانتقال من بلاد الشام إلى كابول في أفغانستان في ساعات معدودة ليس أكثر.
 
وقد وصف الحافظ ابن كثير هذا البساط في تفسير القرآن العظيم، بقوله "وكان لسليمان بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام".
 
وبالإضافة إلى تلك الرموز السابقة، فإن مائدة سليمان أيضاً قد أخذت مكاناً مهماً وسط كتابات المؤرخين المسلمين، حتى أن ابن كثير يذكر في البداية والنهاية، أن المسلمين لما فتحوا الأندلس، ودخلوا عاصمتها طليطلة، فإنهم لقوا فيها كنوزاً عظيمة، وكانت مائدة سليمان من بين تلك الكنوز، وقد وصفها ابن كثير بقوله: "مكونة من الذهب والفضة، وكان عليها ثلاثة أطواق من اللؤلؤ والجواهر، لم ير مثله".
 
وقد قيل إن تلك المائدة، كانت أحد أسباب النزاع الذي نشب ما بين فاتحي الأندلس، موسى بن نصير وطارق بن زياد، عندما حاول كل منهما أن يُخفيها ليقدمها إلى الخليفة الأموي، ليُثبت له أحقيته بفتح الأندلس.
 

أما في الثقافة الغربية، فقد جرى الاهتمام بإرث سليمان المادي، وكنوزه التي قيل إنها أعظم الكنوز التي وجدت على سطح الأرض.

ففي عام 1885م، نشر الكاتب الإنجليزي هنري رايدر هاجرد، رواية بعنوان كنوز الملك سليمان، وهي تحكي عن رحلة قام بها عدد من المستكشفين الذين يبحثون عن تلك الكنوز في مناطق مختلفة من أفريقيا وبلاد الشام. وقد حققت تلك الرواية نجاحاً كبيراً، وتمت ترجمتها للغات الأوربية حتى أضحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية الغربية، وتم تحويلها لعدد من الأفلام التي صادفت النجاح نفسه.
 
ولم يتوقف التكهن والبحث عن كنز الملك سليمان، الذي شغل المخيلة الشعبية، بأحجاره الكريمة من الياقوت والماس، وآلاته الموسيقية وأوان الذهب والفضة والمعادن النفيسة.
 

قصص سليمان

ارتبط اسم سليمان بعدد من القصص المذكورة في العهد القديم مثل لقاءه مع ملكة سبأ التي ذكرت في القرآن كذلك وقصة قضاء سليمان بين المرأتين المتخاصمتين على رضيع، ويعتقد حسب التراث اليهودي أنه أول من بنى الهيكل وقصته مع ملك الجن أشماداي.
 
وقد عُرف سليمان بتلك الحكمة، حتى اشتهر بسليمان الحكيم، واستخدمها في العديد من المواقف، منها موقفه من ملكة سبأ عندما قدمت إليه، ومنها كذلك موقفه من المرأتين اللتين جاءتا إليه تتنازعان على طفل، كل منهما تدعي أنها أمه، حيث حل سليمان هذا الإشكال عندما أمر بقطع الطفل إلى شطرين، فوافقت إحداهن على ذلك، بينما اشفقت الأخرى على طفلها ورفضت، وقبلت أن تتنازل عن الطفل لغريمتها، فعرف سليمان عندئذ أن تلك المرأة هي الأم الحقيقية للطفل ورده إليها.
 
ومما يدل أيضًا على حكمة وفطانة نبي الله سليمان عليه السلام وجودة رأيه في الحكم والقضاء ما جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن إحداهما فتنازعتا في الآخر، فقالت الكبرى: إنما ذهب بابنك، وقالت الصغرى: بل إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سليمان فقال: ائتوني بسكين أشقه بينكما نصفين لكل واحدة منكما نصفه فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها” رواه البخاري ومسلم. ولما قال سيدنا سليمان عن الغلام: “أشقه” كان ذلك منه على وجه العرض والاستفهام وهو يعتقد أنها تقول “لا”، ويكفر من ظن أنه أمر بشقه نصفين.

اضافة تعليق